أنَّ لي الدُّنيا كلَّها مِنْ أوَّلها إلى آخرها حلالًا، وأنا أنفقُها في سبيل الله، وانها شغلتني عَنِ اللهِ طرفةَ عينٍ.
وقال أبو سليمان: الزهد ترك ما يشغل عن الله (¬١). وقال: كلُّ ما شغلك عن اللهِ مِنْ أهلٍ ومالٍ وولدٍ، فهو مشؤوم (¬٢).
وقال: أهلُ الزُّهد في الدنيا على طبقتين: منهم من يزهدُ في الدُّنيا، فلا يُفتَحُ له فيها روح الآخرة، ومنهم من إذا زَهِدَ فيها، فُتِحَ له فيها روحُ الآخرة، فليس شيءٌ أحبَّ إليه من البقاء ليطيع الله (¬٣).
وقال: ليس الزاهد من ألقى همومَ الدُّنيا، واستراح منها، إنَّما الزَّاهد من زَهِدَ في الدُّنيا، وتعب فيها للآخرة (¬٤).
فالزُّهد في الدُّنيا يُرادُ به تفريغُ القلب مِنَ الاشتغال بها، ليتفرَّغ لِطلب الله، ومعرفته، والقرب منه، والأُنس به، والشَّوقِ إلى لقائه، وهذه الأمورُ ليست مِنَ الدُّنيا كما كان النبيُّ ﷺ يقول: "حُبِّبَ إلي من دُنياكم النِّساءُ والطِّيبُ، وجُعلت قرَّةُ عيني في الصَّلاة" (¬٥)، ولم يجعل الصَّلاةَ ممَّا حُبِّبَ إليه مِنَ الدُّنيا، كذا في "المسند" و"النسائي"، وأظنُّه وقع في غيرهما: "حبِّبَ إليَّ من دنياكم ثلاث" (¬٦)، فأدخل الصَّلاة في الدُّنيا، ويشهدُ لذلك حديث: "الدُّنيا ملعونةٌ،