فاستخدم ﵁ التورية القولية حتى لا يؤذي رسول الله ﷺ، وكل ما كان من هذا القبيل مما فيه نصرة الإسلام، وعون أهل الحق فهو من الحيل الجائزة بل الواجبة أحيانا، وهو من محاسن هذه الشريعة الغراء.
٥- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لم يكذب إبراهيم ﵇ إلا ثلاث كذبات، ثنتان منهن في ذات الله ﷿ قوله: ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ ، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ ، وقال: بينما هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة، فقيل له: إن هذا رجل معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه فسأله عنها، فقال: من هذه؟ قال: أختي، فأتى سارة، فقال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإن هذا سألني عنك فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني، فأرسل إليها، فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأُخِذَ، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك فدعت الله، ثم تناولها الثانية فأخِذَ مثلها أو أشد، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله فأطلق، فدعا بعض حجبته فقال: إنك لم تأتني بإنسان إنما أتيتني بشيطان، فأخدمها هاجر، فأتته وهو قائم يصلي، فأومأ بيده مهيم؟ قالت: رد الله كيد الكافر أو الفاجر في نحره، وأخدم هاجر، قال أبو هريرة: تلك أمكم يا بني ماء السماء " [١٣٠] .
وهذا الحديث فيه إشكال بسيط، وذلك أن العقل يقطع بأن الرسول ينبغي أن يكون موثوقاً به ليعلم صدق ما جاء به عن الله، ولا ثقة مع تجويزه الكذب عليه، فكيف مع وجود الكذب منه.
والجواب عن ذلك: أن المراد بالكذب في الحديث المعاريض التي ظاهرها الكذب وباطنها الصدق، وأطلق عليها لفظ الكذب لكونها على خلاف المتبادر من اللفظ عند السامع لكنه إذا تأملها لم تكن كذباً، وإنما عبر النبي ﷺ عما صدر عنه بالكذبات ولم يعبر بالمعاريض ليؤكد المدح بما يشبه الذم كقول القائل: