الثاني: أنه لو كان منسوخا لما خفي النسخ عنهم هذه المدة الطويلة مع بحثهم وجدهم وقد روى البخاري ومسلم (١) عن نافع (٢) أن ابن عمر كان يكري مزارعه على عهد النبي – ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وصدرا من خلافة معاوية حتى بلغه قال مسلم في آخر خلافة معاوية أن رافع بن خديج يحدث فيها بنهي عن النبي- ﷺ فدخل عليه وأنا معه فسأله فقال كان رسول الله ﷺ ينهى عن كراء المزارع فتركها ابن عمر بعد وكان إذا سئل عنها بعد قال زعم رافع ابن خديج أن رسول الله – ﷺ نهى عنها. ولا خفاء في بعد عدم إطلاعهم على الناسخ هذه المدة مع أن هذا الأمر مما تعم به البلوى وتتكرر الحاجة العامة إليه في كل عام. فإن قيل فكيف ترك ابن عمر ذلك مع قيام الاستبعاد الذي ذكرتموه؟ قلنا الذي تركه ابن عمر كان احتياطا وتورعا [فإنه روى خبر خيبر وقد رأى النبي ﷺ أقرهم عليه أيام حياته ثم أبا بكر ثم عمر حتى أجلاهم عنها] وكذلك كانت (عادته في تورعه) ﵁. ويؤيد ذلك أنه ورد في بعض طرق البخاري أن ابن عمر قال: كنت أعلم في عهد رسول الله ﷺ أن الأرض تكرى. ثم خشي أن يكون النبي ﷺ قد أحدث في ذلك شيئا لم يكن يعلمه فترك (كراء) الأرض [وأيضا فابن عمر ترك كراء الأرض مطلقا فدل على أنه إنما تركه تورعا، لأن الكراء جائز باتفاق] .
الثالث: أن النسخ إنما يصار إليه عند تعذر الجمع بين الأحاديث والجمع بين حديث خيبر وحديث رافع ممكن ظاهر [كما سنذكره إن شاء الله تعالى] فكيف يعدل إلى النسخ.