تفسير سورة الحجرات [مدنية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾
يقال: قدّمه وأقدمه، وهما منقولان بتثقيل الحشو والهمزة من قدّمه إذا تقدّمه، ومنه قوله: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ (¬١) ونظيره نقلا ومعنى: سلّفه وأسلفه.
ولم يذكر مفعولا لقوله: ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾ إما ليراد عمومه في كل تقدم، وإما أن لا يريد له مفعولا؛ كقوله: ﴿وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ (¬٢) ويجوز أن يكون من قدم بمعنى تقدم؟ كوجّه وبيّن، ومنه مقدمة الجيش خلاف ساقته وهي الجماعة المتقدمة، ويعضده قراءة من قرأ: "تقدّموا" بحذف إحدى التاءين، والأول أحسن، وقرئ "تقدموا" (¬٣) من القدوم؛ أي: لا تقدموا على أمر قبل قدومهما، وحقيقة ذلك كقولك: جلست بين يديه: أن تجلس بين الجهتين المسامتين ليمينه وشماله فسميت الجهتان يدين؛ لكونهما على سمت اليدين مع القرب منهما توسعا؛ كما يسمى الشيء باسم غيره إذا جاوره، ويسمى في علم البيان: التمثيل، ولو قال: لا تكونوا كالذين تقدموا كان تشبيها، وفيها فائدة جليلة، وهي تصوير هجنة ما صنعوا، والمعنى: لا تقطعوا أمرا إلا بعد ما (٢٦٨ /ب) يحكم الله ورسوله به فتكونوا إما عاملين بالوحي المنزل عليه أو مقتدين بالرسول، ﵊، ويجوز أن يكون كقوله [من الرجز]:
عجبت من نفسي وإشفاقها (¬٤) ....