مَا كبر وأسن. قلت: فِيهِ تَأمل، لِأَن إنهاء مَا عمر، ﷺ، ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة، وَفِي هَذَا الْقدر لَا يعجز الرجل عَن النهوض، اللَّهُمَّ إلَاّ إِذا كَانَ لعذر مرض أَو جِرَاحَة وَنَحْوهمَا. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَحمل مَالك هَذَا الحَدِيث على حَالَة الضعْف بعيد، وَكَذَا قَول من قَالَ أَن مَالك بن الْحُوَيْرِث رجل من أهل الْبَادِيَة أَقَامَ عِنْد رَسُول الله عشْرين لَيْلَة وَلَعَلَّه رَآهُ فعل ذَلِك فِي صَلَاة وَاحِدَة لعذر فَظن أَنه من سنة الصَّلَاة أبعد، وَأبْعد لَا يُقَال ذَلِك فِيهِ.
وجلسة الاسْتِرَاحَة ثَابِتَة فِي حَدِيث أبي حميد الساعدة، لَا كَمَا نفاها الطَّحَاوِيّ، بل هِيَ ثَابِتَة فِي حَدِيث الْمُسِيء فِي صلَاته فِي البُخَارِيّ. انْتهى. قلت: مَا نفى الطَّحَاوِيّ إلَاّ كَونهَا سنة، وَكَيف وَقد روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (أَن النَّبِي ﷺ كَانَ ينْهض فِي الصَّلَاة مُعْتَمدًا على صُدُور قَدَمَيْهِ) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا الحَدِيث عَلَيْهِ الْعَمَل عِنْد أهل الْعلم. فَإِن قلت: فِي سَنَده خَالِد بن إِيَاس، وَقيل: خَالِد بن إِيَاس ضعفه البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَأحمد وَابْن معِين؟ قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: مَعَ ضعفه يكْتب حَدِيثه، ويقويه مَا رُوِيَ عَن الصَّحَابَة فِي ذَلِك على مَا ذَكرْنَاهُ.
وَفِيه: دَلِيل على أَنه يجوز للرجل أَن يعلم غَيره الصَّلَاة وَالْوُضُوء، عملا وعيانا، كَمَا فعل جِبْرِيل، ﵊، بِالنَّبِيِّ ﷺ. وَفِيه: أَن التَّعْلِيم بِالْفِعْلِ أوضح من القَوْل.
٤٦ - (بابٌ أهْلُ العِلْمِ والفَضْلِ أحَقُّ بِالإمَامةِ)
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته أهل الْعلم وَالْفضل أَحَق بِالْإِمَامَةِ من غَيرهم مِمَّن لَيْسَ من أهل الْعلم، وَقَالَ بَعضهم: وَمُقْتَضَاهُ أَن الأعلم وَالْأَفْضَل أَحَق من الْعَالم والفاضل. قلت: هَذَا التَّرْكِيب لَا يَقْتَضِي أصلا هَذَا الْمَعْنى، بل مُقْتَضَاهُ أَن الْعَالم أَحَق من الْجَاهِل، والفاضل أَحَق من غَيره الْفَاضِل. ثمَّ قَالَ: وَذكر الْفضل بعد الْعلم من ذكر الْعَام بعد الْخَاص. قلت: هَذَا إِنَّمَا يتمشى إِذا أُرِيد من لفظ الْفضل معنى الْعُمُوم، وَأما إِذا أُرِيد مِنْهُ معنى خَاص لَا يتمشى هَذَا على مَا لَا يخفى.
٦٧٨ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ نَصْرٍ قَالَ حدَّثنا حُسَيْنٌ عَن زَائِدَةَ عنْ عَبْدِ المَلِكِ بنِ عُمَيْرٍ قَالَ حدَّثني أبُو بُرْدَةَ عَن أبي مُوسَى قَالَ مَرِضَ النبيُّ ﷺ فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ فَقَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ قالِتْ عَائِشَةُ إنَّهُ رجُلٌ رَقِيقٌ إذَا قَامَ مَقَامَكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ قالَ مُرُوا أبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ فأَتَاهُ الرَّسُولُ فَصَلَّى بِالنَّاسِ فِي حَياةِ النبيِّ ﷺ (الحَدِيث ٦٧٨ طرفه فِي: ٣٣٨٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، فَإِن أَبَا بكر أفضل الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: إِسْحَاق ابْن نصر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة: وَهُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وروى عَنهُ البُخَارِيّ فِي غير مَوضِع من كِتَابه، مرّة يَقُول: حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر، وَمرَّة يَقُول: حَدثنَا إِسْحَاق بن نصر، فينسبه إِلَى جده. الثَّانِي: حُسَيْن ابْن عَليّ بن الْوَلِيد الْجعْفِيّ الكُوفي. الثَّالِث: زَائِدَة بن قدامَة. الرَّابِع: عبد الْملك بن عُمَيْر بتصغير عمر وبن سُوَيْد الْكُوفِي كَانَ مَعْرُوفا: بِعَبْد الْملك القبطي، لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ فرس سَابق يعرف بالقبطي، فنسب إِلَيْهِ. وَكَانَ على قَضَاء الْكُوفَة بعد الشّعبِيّ وَهُوَ أول من عبر نهر جيحون نهر بَلخ من طَرِيق سَمَرْقَنْد، مَاتَ سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وعمره مائَة سنة وَثَلَاث سِنِين. الْخَامِس: أَبُو بردة بن أبي مُوسَى واسْمه: عَامر. السَّادِس: أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، واسْمه: عبد الله بن قيس.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي موضِعين، وبصيغة الْجمع فِي مَوضِع، وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: نِسْبَة الرَّاوِي إِلَى جده وَهُوَ شيخ البُخَارِيّ. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم كوفيون سوى شيخ البُخَارِيّ. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، ﵈، عَن الرّبيع عَن يحيى. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.