صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قيل لَهُ: يَا رَسُول الله ﴿صاعنا أَصْغَر الصيعان ومدنا أكبر الأمداد. فَقَالَ: (أللهم بَارك لنا فِي صاعنا وَبَارك لنا فِي قليلنا وكثيرنا، وَاجعَل لنا مَعَ الْبركَة بركتين) . قَالَ ابْن حبَان وَفِي ترك الْمُصْطَفى ﷺ الْإِنْكَار عَلَيْهِم حَيْثُ قَالُوا: صاعنا أَصْغَر الصيعان، بَيَان وَاضح أَن صَاع الْمَدِينَة أَصْغَر الصيعان، وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث إِسْحَاق بن سُلَيْمَان الرَّازِيّ، قَالَ: قلت: لمَالِك ابْن أنس: يَا أَبَا عبد الله﴾ كم وزن صَاع النَّبِي ﷺ؟ قَالَ: خَمْسَة أَرْطَال وَثلث بالعراقي، وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا يحيى ابْن آدم. قَالَ: سَمِعت حسن بن صَالح يَقُول: صَاع عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثَمَانِيَة أَرْطَال. وَقَالَ شريك: أَكثر من سَبْعَة أَرْطَال وَأَقل من ثَمَانِيَة. وروى البُخَارِيّ فِي (صَحِيحه) : عَن السَّائِب بن يزِيد، قَالَ: كَانَ الصَّاع على عهد رَسُول الله ﷺ مدا وَثلثا بمدكم الْيَوْم، فزيد فِيهِ فِي زمن عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وروى الطَّحَاوِيّ عَن ابْن عمر أَنه قَالَ: حَدثنَا عَليّ بن صَالح وَبشر بن الْوَلِيد جَمِيعًا عَن أبي يُوسُف، قَالَ: قدمت الْمَدِينَة فَأخْرج إِلَيّ من أَثِق بِهِ صَاعا، فَقَالَ: هَذَا صَاع النَّبِي ﷺ، فقدرته فَوَجَدته خَمْسَة أَرْطَال وَثلث رَطْل، ثمَّ قَالَ: إِن مَالِكًا سُئِلَ عَن ذَلِك، فَقَالَ: هُوَ تَقْدِير عبد الْملك لصاع عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث إِبْرَاهِيم، قَالَ: عبرنا الصَّاع فَوَجَدنَا حجاجيا والحجاجي عِنْدهم ثَمَانِيَة أَرْطَال بالبغدادي. انْتهى. وَأَيْضًا: الأَصْل خلاف التَّقْدِير، وَأَيْضًا فَلَا ضَرُورَة إِلَيْهِ. وَأما وَجه الضَّمِير فِي رِوَايَة: مدهم، فَهُوَ أَن يعود إِلَى أهل الْمَدِينَة. وَإِن لم يمض ذكرهم، لِأَن الْقَرِينَة اللفظية تدل على ذَلِك، وَهُوَ لفظ الصَّاع وَالْمدّ، وَلِأَن أهل الْمَدِينَة اصْطَلحُوا على لفظ: الصَّاع وَالْمدّ، كَمَا أَن أهل الْعرَاق اصْطَلحُوا على لفظ: المكوك. قَالَ عِيَاض: المكوك مكيال أهل الْعرَاق يسع صَاعا وَنصف صَاع بالمدني، وكما أَن أهل مصر اصْطَلحُوا على: الْقدح، وَالرّبع والويبة، وَإِذا ذكر الصَّاع وَالْمدّ يتَبَادَر أذهان النَّاس غَالِبا إِلَى أَنَّهُمَا لأجل الْمَدِينَة.
فيهِ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا عنِ النبيِّ ﷺ
أَي: فِي صَاع النَّبِي ﷺ، أَي: فِي دُعَائِهِ ﷺ بِالْبركَةِ فِيهِ، رُوِيَ عَن عَائِشَة عَن النَّبِي ﷺ، وَقد مضى هَذَا فِي آخر كتاب الْحَج فِي حَدِيث طَوِيل عَن عَائِشَة، وَفِيه: (أللهم بَارك لنا فِي صاعنا وَفِي مدنا) .
٩٢١٢ - حدَّثنا مُوسَى قَالَ حَدثنَا وُهَيْبٌ قَالَ حَدثنَا عَمْرُو بنُ يَحْيَى عنْ عَبَّادِ بنِ تَمِيمٍ الأنْصَارِيِّ عنْ عَبْدِ الله بنِ زَيْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ ودَعا لَهَا وحَرَّمْتُ المَدِينَةَ كَما حَرَّمَ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ ودَعَوْتُ لَهَا فِي مُدَّهَا وصاعِهَا مثْلَ مَا دَعا إبْرَاهِيمُ ﵊ لِمَكَّةَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن مَا دَعَا فِيهِ النَّبِي ﷺ فَفِيهِ الْبركَة. ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل، ووهيب بِالتَّصْغِيرِ ابْن خَالِد الْبَصْرِيّ، وَعَمْرو بن يحيى بن عمَارَة الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، وَعبد الله بن زيد بن عَاصِم الْأنْصَارِيّ النجاري الْمَازِني.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْمَنَاسِك عَن قُتَيْبَة وَعَن أبي كَامِل الجحدري، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم.
وَالْكَلَام فِي حرم مَكَّة وَحرم الْمَدِينَة قد مضى فِي كتاب الْحَج. وَفِيه: الدُّعَاء لما ذكر وَهُوَ علم من أَعْلَام نبوته، ﷺ، فَمَا أَكثر بركته، وَكم يُؤْكَل ويدخر وينقل إِلَى سَائِر بِلَاد الله تَعَالَى؟ وَالْمرَاد بِالْبركَةِ فِي الْمَدّ والصاع مَا يُكَال بهما، وأضمر ذَلِك لفهم السَّامع، وَهَذَا من بَاب تَسْمِيَة الشَّيْء باسم مَا قرب مِنْهُ، كَذَا قيل. قلت: هَذَا من بَاب ذكر الْمحل وَإِرَادَة الْحَال. فَافْهَم.
٠٣١٢ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي طَلْحَةَ عنْ أنَسِ ابنِ مالِكً رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ أللَّهُمَّ بارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ وبارِكْ لهُمْ فِي صاعِهِمْ ومُدِّهم يَعْنِي أهْلَ المَدِينَةِ.