فَأشْهد الله لأجلكما أَن أرد عنكما الطّلب، وَقيل: بِالْجَرِّ أَيْضا بِنَزْع الْخَافِض، وَالتَّقْدِير: إقسم بِاللَّه لَكمَا بِأَن أرد الطّلب، وَهُوَ جمع طَالب، وَفِي (شرح السّنة) : أقسم بِاللَّه لَكمَا على الرَّد. قَوْله: (فنجا) ، أَي: من الارتطام. قَوْله: (أَلا قَالَ: كفيتكم) ، ويروى: كفيتم. قَوْله: (مَا هُنَا) ، يَعْنِي: مَا هُنَا الَّذِي تطلبونه. قَوْله: (فَلَا يلقى أحدا إِلَّا رده) ، بَيَان قَوْله: مَا هُنَا. قَوْله: (ووفى لنا) ، أَي: وَفِي سراقَة بِمَا وعده من رد الطّلب.
وَفِي هَذَا الحَدِيث معْجزَة لرَسُول الله، ﷺ، وفضيلة لأبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِيه: خدمَة التَّابِع للمتبوع واستصحاب الركوة فِي السّفر، وَفضل التَّوَكُّل على الله تَعَالَى، وَأَن الرجل الْجَلِيل إِذا نَام يدافع عَنهُ. وَقَالَ الْخطابِيّ: اسْتدلَّ بِهِ بعض شُيُوخ السوء من الْمُحدثين على الْأَخْذ فِي الحَدِيث، لِأَن عازباً لم يحمل الرحل حَتَّى يحدثه أَبُو بكر بالقصة، وَلَيْسَ الِاسْتِدْلَال صَحِيحا، لِأَن هَؤُلَاءِ اتَّخذُوا الحَدِيث بضَاعَة يبيعونها وَيَأْخُذُونَ عَلَيْهَا أجرا وَأما مَا التمسه أَبُو بكر من تحميل الرحل فَهُوَ من بَاب الْمَعْرُوف وَالْعَادَة المقررة أَن تلامذة التُّجَّار يحملون الأثقال إِلَى بَيت المُشْتَرِي، وَلَو لم يكن ذَلِك لَكَانَ لَا يمنعهُ إِفَادَة الْقِصَّة، قَالَ تَعَالَى: ﴿اتبعُوا من لَا يسألكم أجرا وهم مهتدون﴾ (ي س: ١٢) .
٦١٦٣ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ حدَّثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ مُخْتَارٍ حدَّثنا خالِدٌ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دخَلَ علَى أعْرَابِيٍّ يعُودُهُ قَالَ وكانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا دَخَلَ علَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ قَالَ لَا بَأسَ طَهُورٌ إنْ شاءَ الله فَقَالَ لَهُ لَا بَأسَ طَهُورٌ إنْ شَاءَ الله قَالَ قُلْتَ طَهُورٌ كَلَاّ بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ أوْ تَثُورُ علَى شَيْخٍ كَبِيرٍ تُزِيرُهُ القُبُور فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَنعَمْ إذَاً. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَنعم إِذا) من حَيْثُ إِن الْأَعرَابِي لما رد على النَّبِي ﷺ، قَوْله: (لَا بَأْس طهُور، إِن شَاءَ الله) مَاتَ على وفْق مَا قَالَه، ﷺ، وَهَذَا من معجزاته، ﷺ، وَقَالَ بَعضهم: وَوجه دُخُوله فِي هَذَا الْبَاب أَن فِي بعض طرقه زِيَادَة تَقْتَضِي إِيرَاده فِي عَلَامَات النُّبُوَّة أخرجه الطَّبَرَانِيّ وَغَيره من رِوَايَة شُرَحْبِيل، وَالِد عبد الرَّحْمَن، فَذكر نَحْو حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي آخر: فَقَالَ النَّبِي ﷺ: أما إِذا أَبيت فَهِيَ كَمَا تَقول، وَقَضَاء الله كَائِن، فَمَا أَمْسَى من الْغَد إلَاّ مَيتا. انْتهى. قلت: الَّذِي ذكرنَا أوجه لِأَن الَّذِي ذكره هُوَ حَاصِل قَوْله: (فَنعم إِذا) وتوجيه الْمُطَابقَة من نفس الحَدِيث أوجه من توجيهها من حَدِيث آخر، هَل البُخَارِيّ وقف عَلَيْهِ أم لَا؟ وَهل هُوَ على شَرطه أم لَا؟ وَعبد الْعَزِيز بن الْمُخْتَار، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة: الْأنْصَارِيّ الدّباغ، مر فِي الصَّلَاة، وخَالِد هُوَ ابْن مهْرَان الْحذاء.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ عَن إِسْحَاق عَن خَالِد، وَفِي التَّوْحِيد عَن مُحَمَّد بن عبد الله. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطِّبّ وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن سوار بن عبد الله.
قَوْله: (على أَعْرَابِي) قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي (ربيع الْأَبْرَار) : اسْم هَذَا الْأَعرَابِي، قيس، فَقَالَ فِي: بَاب الْأَمْرَاض والعلل: دخل النَّبِي ﷺ على قيس بن أبي حَازِم يعودهُ، فَذكر الْقِصَّة، وَقَالَ بَعضهم: لم أر تَسْمِيَته لغيره فَهَذَا إِن كَانَ مَحْفُوظًا فَهُوَ غير قيس بن أبي حَازِم أحد المخضرمين، لِأَن صَاحب الْقِصَّة مَاتَ فِي زمن النَّبِي ﷺ وَقيس لم ير النَّبِي ﷺ فِي حَيَاته قلت عدم رُؤْيَته ذَلِك لَا يُنَافِي رُؤْيَة غَيره مَعَ أَن بَعضهم رأى النَّبِي ﷺ يخْطب. قَوْله: (يعودهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ) جملَة حَالية. قَوْله: (إِن شَاءَ الله) بِمَعْنى الدُّعَاء. قَوْله: (قَالَ: قلت) أَي: قَالَ الْأَعرَابِي مُخَاطبا للنَّبِي ﷺ قلت: طهُور. قَوْله: (كلا) أَي: لَيْسَ بِطهُور. فَأبى وَسخط فَلَا جرم، أَمَاتَهُ الله. قَوْله: (أَو تثور) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة شكّ من الرَّاوِي قَوْله: (تزيره) ، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق من أزاره إِذا حمله على الزِّيَارَة. قَوْله: (فَنعم إِذا) أَي: نعم بإزارة الْقُبُور حِينَئِذٍ، وَيجوز أَن يكون الشَّارِع قد علم أَنه سيموت من مَرضه. فَقَوله: (طهُور إِن شَاءَ الله) دُعَاء لَهُ بتكفير ذنُوبه، وَيجوز أَن يكون أخبر بذلك قبل مَوته بعد قَوْله.
وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : فِي قَوْله: (لَا بَأْس طهُور) فِيهِ دلَالَة على أَن الطّهُور هُوَ المطهر خلافًا لأبي حنيفَة فِي قَوْله: الطّهُور هُوَ الطَّاهِر. قلت: لَيْت شعري من نقل هَذَا عَن أبي حنيفَة، وَكَيف يَقُول ذَلِك وَالطهُور صِيغَة مُبَالغَة فَإِذا كَانَ بِمَعْنى طَاهِر يفوت الْمَقْصُود.