القول الثاني: أن الأمر بعد الحظر للوجوب، وإليه مال عامة الحنفية (¬١)، واختاره القرطبي (¬٢)، ونُسب لبعض الحنابلة (¬٣)، استدلالاً بأصله وصيغته، وكذلك قوله تعالى بعد النهي عن قتال المشركين في الأشهر الحرم: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:٥]، والأمر هنا للوجوب.
القول الثالث: أن الأمر بعد الحظر يرجع إلى ما كان عليه قبل الحظر، فإن كان واجباً فواجب، وإن كان مستحباً فمستحب، وإن كان مباحاً فمباح، وهو رأي المحققين من العلماء كابن تيمية (¬٤)، والزركشي (¬٥)، وغيرهم (¬٦).
ودليلهم: أن هذا الحكم مبني على الاستقراء التام.
قال ابن كثير: (وهذا أمر بعد الحظر، والصحيح الذي يثبت على السبر (¬٧) أنه يَرُد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإن كان واجباً رده واجباً، وإن كان مستحباً فمستحب، أو مباحا فمباح. ومن قال: إنه على الوجوب. ينتقض عليه بآيات كثيرة، ومن قال: إنه للإباحة. يرد عليه آيات أخر، والذي ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرناه) (¬٨).
وقال الشنقيطي: (وبهذا تعلم أن التحقيق الذي دل عليه الاستقراء التام في القرآن أن الأمر بالشيء بعد تحريمه يدل على رجوعه إلى ما كان عليه قبل التحريم من إباحة أو وجوب ... ) إلى أن قال: (وهذا هو الحق في هذه المسألة الأصولية) (¬٩).