آخِرِ أَيَّامِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: "آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يفتيكم في الكلالة﴾ وَآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَرَاءَةٌ". قَالَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ: وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلَّذِي سَأَلَهُ عَنْ الْكَلَالَةِ: "يَكْفِيك آيَةُ الصَّيْفِ" وَهِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] لِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الصَّيْفِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَجَهَّزُ إلَى مَكَّةَ, وَنَزَلَتْ عَلَيْهِ آيَةُ الْحَجِّ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] وَهِيَ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ, ثُمَّ خَرَجَ إلَى مَكَّةَ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ بِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] الْآيَةَ, ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْغَدِ يَوْمَ النَّحْرِ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] هَذِهِ الْآيَةُ, ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ بَعْدَهَا حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ نُزُولِهَا; هَكَذَا سَمِعْنَا. قَالَ يَحْيَى: وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْكَلَالَةِ, فَقَالَ: "مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَا وَالِدٌ فَوَرَثَتُهُ كَلَالَةٌ".
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَلَمْ يَذْكُرْ تَارِيخَ الْأَخْبَارِ وَالْآيِ; لِأَنَّ الْحُكْمَ يَتَغَيَّرُ فِيمَا ذَكَرْنَا بِالتَّارِيخِ, وَلَكِنَّهُ لَمَّا جَرَى ذِكْرُ الْآيِ وَالْأَخْبَارِ اتَّصَلَ ذَلِكَ بِهَا, وَإِنَّمَا أَرَدْنَا بِذَلِكَ أَنْ نُبَيِّنَ أَنَّ اسْمَ الْكَلَالَةِ يَتَنَاوَلُ الْمَيِّتَ تَارَةً وَبَعْضَ الْوَرَثَةِ تَارَةً أُخْرَى.
وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْكَلَالَةِ, فَرَوَى جَرِيرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ, أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ يُوَرَّثُ الْكَلَالَةُ؟ قَالَ: "أَوَلَيْسَ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ؟ " ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ إلَى آخِرِ الْآيَةِ, فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] إلَى آخِرِهَا; قَالَ: فَكَأَنَّ عُمَرَ لَمْ يَفْهَمْ, فَقَالَ لِحَفْصَةَ: إذَا رَأَيْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طِيبَ نَفْسٍ فَسَلِيهِ عَنْهَا فَرَأَتْ مِنْهُ طِيبَ نَفْسٍ فَسَأَلَتْهُ عَنْهَا, فَقَالَ: "أَبُوك كَتَبَ لَك هَذَا؟ مَا أَرَى أَبَاك يَعْلَمُهَا أَبَدًا"; قَالَ: فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ: مَا أَرَانِي أَعْلَمُهَا أَبَدًا وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما قال.