حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: سَمِعْت أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ جَيْشٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَ نَوْفَلُ بْنُ الْحَارِثِ ابْنَيْهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: انْطَلِقَا إلَى عَمِّكُمَا لَعَلَّهُ يَسْتَعْمِلُكُمَا عَلَى الصَّدَقَةِ، فَجَاءَا فَحَدَّثَا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ بِحَاجَتِهِمَا، فَقَالَ لَهُمَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: "لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَهْلِ الْبَيْتِ مِنْ الصَّدَقَاتِ شَيْءٌ لِأَنَّهَا غُسَالَةُ الْأَيْدِي، إنَّ لَكُمْ فِي خُمْسِ الْخُمْسِ مَا يُغْنِيكُمَا أَوْ يَكْفِيكُمَا" وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ لِلْعَبَّاسِ سَلْ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَسْتَعْمِلَك عَلَى الصَّدَقَةِ، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: "مَا كُنْت لِأَسْتَعْمِلكَ عَلَى غُسَالَةِ ذُنُوبِ النَّاسِ" وَرَوَى الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ، وَعَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ سَأَلَا النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُمَا عَلَى الصَّدَقَةِ لِيُصِيبَا مِنْهَا، فَقَالَ: "إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ" فَمَنَعَهُمَا أَخْذَ الْعِمَالَةِ، وَمَنَعَ أَبَا رَافِعٍ ذَلِكَ أَيْضًا، وَقَالَ: "مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ".
وَاحْتَجَّ الْمُبِيحُونَ لِذَلِكَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ عَلِيًّا إلَى الْيَمَنِ عَلَى الصَّدَقَةِ رَوَاهُ جَابِرٌ وَأَبُو سَعِيدٍ جَمِيعًا. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ قَدْ كَانَتْ وِلَايَتُهُ عَلَى الصَّدَقَاتِ وَغَيْرِهَا، وَلَا حُجَّةَ فِي هَذَا لَهُمْ; لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ عَلِيًّا أَخَذَ عِمَالَتَهُ مِنْهَا، وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ مِنْ الصَّدَقَةِ عِمَالَةً، وَقَدْ كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ حِينَ خَرَجَ إلَى الْيَمَنِ فَوَلِيَ الْقَضَاءَ وَالْحَرْبَ بِهَا، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ أَخَذَ رِزْقَهُ مِنْ مَالِ الْفَيْءِ لَا مِنْ جِهَةِ الصَّدَقَةِ.
فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ الْغَنِيُّ عِمَالَتَهُ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ تَحِلَّ لَهُ الصَّدَقَةُ فَكَذَلِكَ بَنُو هَاشِمٍ. قِيلَ لَهُ: لِأَنَّ الْغَنِيَّ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصَّدَقَةِ لَوْ افْتَقَرَ أَخَذَ مِنْهَا، وَالْهَاشِمِيَّ لَا يَأْخُذُ مِنْهَا بِحَالٍ فَإِنْ قِيلَ: إنَّ الْعَامِلَ لَا يَأْخُذُ عِمَالَتَهُ صَدَقَةً، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ أُجْرَةً لِعَمَلِهِ كَمَا رُوِيَ أَنَّ بَرِيرَةَ كَانَتْ تُهْدِي لِلنَّبِيِّ ﷺ مِمَّا يُتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهَا، وَيَقُولُ ﷺ: "هِيَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ" قِيلَ لَهُ: الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الصَّدَقَةَ كَانَتْ تَحْصُلُ فِي مِلْكِ بَرِيرَةَ ثُمَّ تُهْدِيهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ بَيْنَ مِلْكِ الْمُتَصَدِّقِ وَبَيْنَ مِلْكِ النَّبِيِّ ﷺ وَاسِطَةُ مِلْكٍ آخَرَ، وَلَيْسَ بَيْنَ مِلْكِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ وَبَيْنَ مِلْكِ الْعَامِلِ وَاسِطَةٌ لِأَنَّهَا لَا تَحْصُلُ فِي مِلْكِ الْفُقَرَاءِ حَتَّى يَأْخُذَهَا الْعَامِلُ.