خَرَجَ عَنْ يَدِهِ فَأَمَّا مِنْ وَثِقَ بِمَوْعُودِ اللَّهِ وَجَزِيلِ ثَوَابِهِ فِيمَا أَنْفَقَهُ فَغَيْرُ مُرَادٍ بِالْآيَةِ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِمِثْلِ بَيْضَةٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَبْت هَذِهِ مِنْ مَعْدِنٍ وَاَللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهَا فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَعَادَ ثَانِيًا فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَعَادَ ثَالِثًا فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَرَمَى بِهَا فَلَوْ أَصَابَتْهُ لَعَقَرَتْهُ، فَقَالَ: "يَأْتِينِي أَحَدُهُمْ بِجَمِيعِ مَا يَمْلِكُ ثُمَّ يَقْعُدُ يَتَكَفَّفُ النَّاسَ". وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَعَلَيْهِ هَيْئَةٌ رَثَّةٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَأَمَرَ الرَّجُلُ بِأَنْ يَقُومَ فَقَامَ، فَطَرَحَ النَّاسُ ثِيَابًا لِلصَّدَقَةِ فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهَا ثَوْبَيْنِ، ثُمَّ حَثَّ النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَطَرَحَ أَحَدَ ثَوْبَيْهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "اُنْظُرُوا إلَى هَذَا أَمَرْتُهُ أَنْ يَقُومَ لِيُفْطَنَ لَهُ فَيَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ فَأَعْطَيْتُهُ ثَوْبَيْنِ ثُمَّ قَدْ طَرَحَ أَحَدَهُمَا ثُمَّ قَالَ لَهُ: خُذْ ثَوْبَك" فَإِنَّمَا مَنَعَ أَمْثَالَ هَؤُلَاءِ مِنْ إخْرَاجِ جَمِيعِ أَمْوَالِهِمْ. فَأَمَّا أَهْلُ الْبَصَائِرِ فَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ﷺ يَمْنَعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ ﵁ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ فَأَنْفَقَ جَمِيعَ مَالِهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى بَقِيَ فِي عَبَاءَةٍ فَلَمْ يُعَنِّفْهُ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُخَاطَبَةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّمَا خُوطِبَ بِهِ غَيْرُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ [الإسراء: ٢٩] وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ﷺ مِمَّنْ يَتَحَسَّرُ عَلَى إنْفَاقِ مَا حَوَتْهُ يَدُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] الْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالْمُرَادُ غَيْرُهُ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٩٤] لَمْ يُرِدْ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ لِأَنَّهُ لَمْ يَشُكَّ قَطُّ. فَاقْتَضَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] الْأَمْرُ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ وَالْإِحْسَانِ إلَى الْوَالِدَيْنِ وَالتَّذَلُّلِ لَهُمَا وَطَاعَتِهِمَا وَإِعْطَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ حُقُوقَهُمْ وَالنَّهْيِ عَنْ تَبْذِيرِ الْمَالِ وَإِنْفَاقِهِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَالْأَمْرِ بِالِاقْتِصَادِ فِي الْإِنْفَاقِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْإِفْرَاطِ وَالتَّقْصِيرِ فِي الْإِعْطَاءِ وَالْمَنْعِ وَتَعْلِيمِ مَا يُجِيبُ بِهِ السَّائِلَ وَالْمِسْكِينَ عِنْدَ تَعَذُّرِ مَا يُعْطِي.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] هُوَ كَلَامٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ السَّبَبِ الْخَارِجِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ مِنْ الْعَرَبِ مَنْ كَانَ يَقْتُلُ بَنَاتَه خَشْيَةَ الْفَقْرِ لِئَلَّا يَحْتَاجَ إلَى النَّفَقَةِ عَلَيْهِنَّ وَلِيَتَوَفَّرَ مَا يُرِيدُ إنْفَاقَهُ عَلَيْهِنَّ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى بَيْتِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ مُسْتَفِيضًا شَائِعًا فِيهِمْ، وَهِيَ الْمَوْءُودَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي قوله: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٩] وَالْمَوْءُودَةُ هِيَ الْمَدْفُونَةُ حَيًّا، وَكَانُوا يَدْفِنُونَ بَنَاتَهمْ أَحْيَاءً. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقِيلَ: مَا أَعْظَمُ الذُّنُوبِ؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَك خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَك وَأَنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِك".