مطلب: في [تلك الغرانيق العلى] إلى آخره
رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكِ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ: أَنَّ السَّبَبَ فِي نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ لَمَّا تَلَا النَّبِيُّ ﷺ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩, ٢٠] أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي تِلَاوَتِهِ: تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى، وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى أَلْقَى الشَّيْطَانُ، فَقَالَ قَائِلُونَ: لَمَّا تَلَا النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ السُّورَةَ وَذَكَرَ فِيهَا الْأَصْنَامَ عَلِمَ الْكُفَّارُ أَنَّهُ يَذْكُرُهَا بِالذَّمِّ وَالْعَيْبِ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ حِينَ بَلَغَ النَّبِيِّ ﷺ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ : "تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى" وَذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ مِنْ قُرَيْشٍ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَقَالَ سَائِرُ الْكُفَّارِ الَّذِينَ كَانُوا بِالْبُعْدِ مِنْهُ: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَدَحَ آلِهَتَنَا، وَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي تِلَاوَتِهِ، فَأَبْطَلَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ وَبَيَّنَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَتْلُهُ وَإِنَّمَا تَلَاهُ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ، وَسَمَّى الَّذِي أَلْقَى ذَلِكَ فِي حَالِ تِلَاوَةِ النَّبِيِّ ﷺ شَيْطَانًا; لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢] وَالشَّيْطَانُ اسْمٌ لِكُلِّ مُتَمَرِّدٍ عَاتٍ مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ. وَقِيلَ: إنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ شَيْطَانًا مِنْ شَيَاطِينِ الْجِنِّ، وَقَالَ ذَلِكَ عِنْدَ تِلَاوَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَمِثْلُ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي أَزْمَانِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ كَمَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال: ٤٨] وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ إبْلِيسُ حِينَ تَصَوَّرَ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ لِقُرَيْشٍ وَهُمْ يُرِيدُونَ الْخُرُوجَ إلَى بَدْرٍ، وَكَمَا تَصَوَّرَ فِي صُورَةِ الشَّيْخِ النَّجْدِيِّ حِينَ تَشَاوَرَتْ قُرَيْشٌ فِي دَارِ النَّدْوَةِ فِي أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ مِثْلُ ذَلِكَ جَائِزًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِضَرْبٍ مِنْ التَّدْبِيرِ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ شَيْطَانًا فَظَنَّ الْقَوْمُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ عَلَى سبيل السهو الذي لا يعرى منه