تفسير قوله تعالى: (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون)
نبدئ هذا اللقاء بالكلام على قول الله ﵎ في سورة الحجرات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات:٤] هذه الآية تشير إلى قوم أتوا إلى الرسول ﷺ وكان معهم قوم جفاة, لا يقدرون الأمور قدرها, فجعلوا ينادون النبي ﷺ من وراء حجرات نسائه, ويرفعون أصواتهم بذلك, يريدون أن يخرج النبي ﷺ إليهم, يقول الله في هؤلاء: ﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات:٤] أي: ليس عندهم عقل, والمراد بالعقل هنا عقل الرشد, لأن العقل عقلان: ١- عقل رشد.
٢- عقل تكليف.
فأما عقل الرشد فضده السفه, وأما عقل التكليف فضده الجنون, فمثلاً إذا قلنا: يشترط لصحة الوضوء أن يكون المتوضئ عاقلاً مميزاً, فالمراد بالعقل هنا عقل التكليف, وإذا قلنا: يشترط للتصرف في المال أن يكون المتصرف عاقلاً أي: عقل رشد يحسن التصرف, فالمراد بقوله هنا: ﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات:٤] أي: لا يعقلون عقل رشد, لأنهم لو كانوا لا يعقلون عقل تكليف لم يكن عليهم لوم أو ذم، إذ أن المجنون فاقد العقل ولا يلحقه لوم ولا ذم وقوله: ﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات:٤] يفهم منه: أن بعضهم يعقل, وأنه لم يحصل منه رفع صوت, بل هو متأدب مع رسول الله ﷺ.