فإن قيل: جاز أن يكون النهي للأدب أو للتنزيه.
قلنا: مطلق النهي يقتضي الحرمة مع عرائه عن التأكيد فكيف إذا كان مؤكدًا بالنون الثقيلة، ولأنه لو كان كذلك لما قيده بالدائم، فإن الجاري يشاركه في ذلك المعنى؛ لأن البول في الدائم كما هو ليس بأدب كذلك البول في الماء الجاري ليس بأدب أيضًا فلا يبقى حينئذٍ لتقييد الدائم فائدة.
وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: يَجُوزُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ أَحَدُ أَوْصَافِهِ لِمَا رَوَيْنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَجُوزُ إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لِقَوْلِهِ ﵊: «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا» وَلَنَا حَدِيثُ الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ مَنَامِهِ، وَقَوْلُهُ ﵊: «لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلا يَغْتَسِلَنَّ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَاَلَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ ﵀ وَرَدَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ وَمَاؤُهَا كَانَ جَارِيًا فِي الْبَسَاتِينِ، وَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ ضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُد، وَهُوَ يَضْعُفُ عَنْ احْتِمَالِ النَّجَاسَةِ.
(وَالْمَاءُ الْجَارِي إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ جَازَ الْوُضُوءُ مِنْهُ إذَا لَمْ يُرَ لَهَا أَثَرٌ لأنَّهَا لا تَسْتَقِرُّ مَعَ جَرَيَانِ الْمَاءِ) وَالْأَثَرُ هُوَ الرَّائِحَةُ أَوْ الطَّعْمُ أَوْ اللَّوْنُ، وَالْجَارِي مَا لا يَتَكَرَّرُ اسْتِعْمَالُهُ، وَقِيلَ مَا يَذْهَبُ بِتِبْنَةٍ.
-قوله: (ورد في بئر بضاعة) الباء في بضاعة تكسر وتضم، كذا في «الصحاح» (¬١)، وفي «المغرب» (¬٢): بالكسر لا غير عن العوري، وهي بئر قديمة بالمدينة.
وفي «المبسوط»: «إن بئر بضاعة [كان] (¬٣) ماءه جاريًا يسقى منه خمسة بساتين» (¬٤).
فإن قلت: العبرة عندنا لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، فكيف اختص عموم قوله ﵇: «الْمَاءُ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» (¬٥). بسببه الذي كان ورد الحديث في حقه وهو بئر بضاعة.