أَحَدُهَا فِي التَّرْجِيعِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ سُنَّةِ الْأَذَانِ عِنْدَنَا؛ خِلَافاً لِلشَّافِعِيِّ ﵀ (¬١)، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ ﵁ (¬٢) وَبِقِيَاسِ التَّكْبِيرِ، فَكَمَا أَنَّهُ (¬٣) يَأْتِي بِلَفْظِ التَّكْبِيرِ، أَرْبَعَ مَرَّاتٍ؛ فَكَذَلِكَ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَتَيْنِ، وَلَنَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ فَهُوَ الأصل، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ التَّرْجِيعِ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْأَذَانِ قَوْلُهُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، وَلَا تَرْجِيعَ فِي هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ، فَفِيمَا سِوَاهُمَا أَوْلَى، وامَّا لَفْظَةُ (¬٤) التَّكْبِيرِ؛ فَدَلِيلُنَا فَإِنَّ ذِكْرَ التَّكْبِيرِ مَرَّتَيْنِ، لَمَّا كَانَ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ؛ فَهُوَ كَكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وامَّا حَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ، قُلْنَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِالتَّكْرَارِ؛ حَالَةَ التَّعْلِيمِ لِيَحْسُنَ تَعَلُّمُهُ؛ وَهُوَ كَانَ عَادَتُهُ فِيمَا يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ، فَظَنَّ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِالتَّرْجِيعِ) (¬٥).
وَذَكَرَ فِي "الأسرار" (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ بِذَلِكَ لِحِكْمَةٍ رُوِيَتْ فِي قِصَّتِهِ؛ وَهِيَ أَنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ ﵁؛ كَانَ يُبْغِضُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، أَشَدَّ الْبُغْضِ؛ فَلَمَّا أَسْلَمَ، أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْأَذَانِ، فَلَمَّا بَلَغَ كَلِمَاتِ الشَّهَادَةِ، خَفَضَ صَوْتَهُ؛ حَيَاءً مِنْ قَوْمِهِ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَرَكَ أُذُنَهُ، وَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ، وَامْدُدْ بِهَا صَوْتَكَ، إِمَّا لِيُعْلِمَهُ أَنَّهُ لَا حَيَاءَ مِنَ الْحَقِّ، أَوْ لِيَزِيدَهُ مَحَبَّةً لِلرَّسُولِ ﷺ بِتَكْرَارِ كَلِمَاتِ الشَّهَادَةِ) (¬٦).