يَشْكُلُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ (¬١) وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (¬٢) إِلَى أَنْ قَالَ ﷿: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ (¬٣) (أَيْ: يَسْجُدُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، ثُمَّ قَالَ ﷿: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ (¬٤) أَيْ: بِسَبَبِ أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ لِلَّهِ تَعَالَى كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) (¬٥) وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَذَابُ، فَقَدْ ذَكَرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَقَابِلِينَ اسْمَ الْكَثْرَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الضُّلَّالَ إِذَا وُصِفُوا بِالْكَثْرَةِ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ، لَا يُوْصَفُ غَيْرُ الضُّلَالِ؛ وَهُمُ الْمَهْدِيُّونَ بِالْكَثْرَةِ فِي مُقَابَلَتِهَا، وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَنَّ (¬٦) مَا يَقَعُ بِهِ الْكَثْرَةُ؛ وَهُوَ الْوَاحِدُ الزَّائِدُ مَثَلًا أَوْ أَكْثَرُ مُضِلًّا، وَ (¬٧) مَهْدِيًّا، فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ مُحَالٌ؟.
قُلْتُ: إِنَّمَا سُمِّيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ بِالْكَثْرَةِ، بِالنَّظَرِ إِلَى أَنْفُسِهِمْ، لَا بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يُقَابِلُهُمْ فَإِنَّا (¬٨) لَوْ خَلَّيْنَا، وَمُجَرَّدُ النَّظَرِ إِلَى نَفْسِ الْمَهْدِيِّينَ (¬٩) مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالِ لَا شَكَّ أَنَّ الْمَهْدِيِّينَ؛ يَرُونَ شَمْلاً كَثِيراً، وَ (¬١٠) جَمَّاً غَفِيراً، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الضَّلَالِ، وَمِثْلُهُ (¬١١) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (¬١٢) وَكَلِمَةُ أَوْ لِلشَّكِّ فِي الْأَخْبَارِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ مِنْ عَالِمِ الْجُزْئِيَّاتِ، وَالْكُلِيَّاتِ، وَلَكِنْ وَجْهُهُ (¬١٣) مَا ذَكَرْنَا؛ وَهُوَ أَنَّ مَنْ (¬١٤) رَآهُ، لَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْقَوْمَ فِي الْكَثْرَةِ مَائَةُ أَلْفٍ، أَوْ يَزِيدُونَ، أَوْ نَقُولُ (بِمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْكَشَّافِ، أَنَّ أَهْلَ الضَّلَالِ كَثِيرٌ حَقِيقَةٌ، واصْلُ الْهَدْيِ كَثِيرٌ، مَرْتَبَةً، وَعَظَمَةً) (¬١٥)