قُلْتُ: هَذَا الْخَبَرُ؛ لَيْسَ كَخَبَرِ تَخْلِيلِ الْأَصَابِعِ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّ هَذَا خَبَراً تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ (¬١) بِالْقَبُولِ وَلَا خِلَافَ لِأَحَدٍ فِي ثُبُوتِهِ، لَكِنْ بَقِيَ الْكَلَامُ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى الْفَرْضِيَّةِ، وَالدَّلَالَةُ هِيَ مَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسَلَامِ ﵀ فَقَالَ: وَالْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ صَارَتْ فَرْضاً بِالْإِجْمَاعِ (¬٢)، لِقَوْلِهِ ﷺ: «إِذَا قُلْتَ هَذَا وَفَعَلْتَ هَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ» (¬٣).
ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى نَفْيِ، فَرْضِيَّةِ قِرَاءَةِ التَّشَهُّدِ، بِهَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: فَقَدْ عَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ التَّمَامَ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، واجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ التَّمَامَ تَعَلَّقَ بِالْقَعْدَةِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا لَمْ يُجْزِهِ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِالثَّانِي، لِيَتَحَقَّقَ التَّخْيِيرُ، فَإِنَّ مُوْجِبُ التَّخْيِيرِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، الْإِتْيَانَ بِأَحَدِهِمَا (¬٤)؛ وَلِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ، إِذَا كَانَ متلَقى بِالْقَبُولِ، جَازَ إِثْبَاتُ الرُّكْنِيَّةِ بِهِ فَأَوْلَى أَنْ يَجُوزَ إِثْبَاتُ الْفَرْضِيَّةِ؛ لِأَنَّ دَرْجَةَ الرُّكْنِيَّةِ أَعْلَى مِنْ دَرَجَةِ الْفَرْضِيَّةِ (¬٥) وَهُوَ ثُبُوتُ الرُّكْنِيَّةِ، الْوُقُوفُ بِعَرَفَاتٍ فَإِنَّهَا إِنَّمَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ ﷺ: «الْحَجُّ عَرَفَةٌ» (¬٦) وَالْوُقُوفُ مُعْظَمُ أَرْكَانِ (¬٧) الْحَجِّ، كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ ﵀ فِي "مَنَاسِكِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ".