كما قدم الشافعي أيضاً الحديث الضعيف على القياس، كتقديمه خبر تحريم صيد "وج " (١) وخبر جواز الصلاة بمكة في وقت النهي مع ضعفهما على القياس.
وقدم الإمام مالك الحديث المرسل، والمنقطع، والبلاغات، وقول الصحابي على القياس.
وهذا كله منهم اجتهاد في تقديم ما هو الأرجح عند عدم الدليل، وقد يكون لهم من ذلك مندوحة، وإن كانوا متفاوتين في الأخذ بالأولى من الأدلة الأخرى، غير أن الذي يعاب على قوم ممن اشتغلوا بالفقه الإسلامي، استنادهم إلى القياس الفاسد، أو الرأي المذموم، كما بالغ بعضهم في رد القياس على الإطلاق سواء أكان صحيحاً أو فاسداً، وكل ذلك مجانب للصواب، وقد أوفى الإمام ابن القيم – ﵀ – المقام حقه، بما لا يزيد عليه، فذكر أولاً ما كان عليه الصحابة من الاجتهاد عند النوازل، سواء في عهد النبي ﷺ؛ كاجتهادهم في فهم الأمر يوم الأحزاب أن يصلوا العصر في بني قريظة (٢) ، واجتهاد علي ﵁ في غلام اختصم في شأنه ثلاثة نفر، كل منهم يقول إنه ابنه، فأقرع علي ﵁ بينهم، فجعل الولد للقارع، وجعل عليه للرجلين ثلثي الدية، فبلغ النبي ﷺ فضحك حتى بدت نواجذة من قضاء علي ﵁ (٣) .
وكذلك اجتهاد سعد بن معاذ ﵁، في بني قريظة، وقول النبي ﷺ: ((لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات)) (٤) . وكذلك اجتهاد الصحابيين الذين أدركتهما الصلاة في السفر ولا ماء معهما فتيمما وصليا، ثم وجدا الماء فأعاد أحدهما، ولم يعد الآخر فصوبهما ﷺ، وقال للذي لم يعد: ((أصبت السنة وأجزأتك صلاتك)) ، وقال للآخر: ((لك الأجر مرتين)) (٥) .
وذكر قصة مجزز المدلجي حين حكم بالقيافة على أن أقدام زيد وابنه أسامة بعضها من بعض (٦) ، وأن رسول الله ﷺ سر بذلك حتى برقت أسارير وجهه من صحة هذا القياس وموافقته للحق (٧)