الأساس الشرعي للاستدلال بالقرائن:
لا نعلم في كتاب الله نصا يمكن اعتباره أساسا لتشريع الاستدلال بالقرائن إثباتا أو نفيا.
وقد حاول بعضهم أن يستدل أو يستأنس بما جاء في القرآن الكريم من شهادة الشاهد من أهل امرأة العزيز في قضية تبادل الاتهام بينها وبين يوسف ﵇ وبقوله تعالى في سورة الحجر: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ واستدلال رسول الله ﷺ بهذه الآية على اعتبار القيافة قرينة إثبات (١) في نصوص أخرى، وهذان النصان أقربهما سببا إلى تلك المحاولات، لذلك ارتأينا أن نقف عندهما لنبين مواقع الإيهام من الاستناد إليهما.
أما شهادة الشاهد من أهل امرأة العزيز في تبادل الاتهام بينها وبين يوسف ﵇ فلا يستقيم الاستدلال بها، لسببين:
السبب الأول: أنها لم ترد تبيانا لشرع، وإنما وردت تبيانا لواقع، وأن يوسف ﵇ لم يكن عند استعباده رسولا، وإن كان في ما نرجح نبيا، وآية ذلك أنه حين حاور صاحبيه في السجن قال لهما: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾
(٢) فهو قد صرح بأن الله علمه، لكن لم يصرح بأن الله كلفه بالتبليغ، ولا بأن الله علمه غير ما أنزل إلى آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب- ﵈، بل بين صراحة أنه اتبع ما أنزل إليهم، وترك ﴿مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ فالذي علمه الله إياه هو تأويل الأحاديث ومعرفة أشياء من الغيب، وهذان أمران ليسا من التشريع في شيء، أما ما هو من التشريع، بل أساس له، هو العقيدة، ويوسف- ﵇ في ذلك متبع لآبائه غير متلق شيئا منه مباشرة من الوحي الإلهي.