قلت: وهل كان الإمام إلا قاضيا؟ يقول الله ﷾ في كتابه العزيز: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (١)
ويقول الله ﷾ مخاطبًا رسول الله ﷺ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إليك الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (٢) ، ويقول ﷻ مخاطبًا له أيضًا ومبينًا الحد الفاصل بين المسلم وغيره في الموقف من أحكامه ﷺ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣) ، ويقول جل من قائل: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إلى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٤)
وهل كانت الإمامة في جوهرها بجميع مهامها إلا نمطًا من القضاء , وهل كان القضاء إلا مهمة تتعلق بالإمام نفسه , وله أن يكلها إلى غيره , ولكن ذمته لا تبرأ إن لم يستفرغ الجهد في اختيار من يكلها إليه , طبقًا لضوابط الأهلية للقضاء في الشريعة الإسلامية.
ثم قال:
"وكل ما تصرف فيه رسول الله ﷺ في العبادات بقوله أو بفعله أو أجاب به سؤال سائل عن أمر ديني , فأجابه فيه , فهذا تصرف بالفتوى والتبليغ , فهذه المواطن لا خفاء فيها , وأما مواضع الخفاء والتردد ففي بقية المسائل.