وقد يجادل البعض بأن تصرفه ﷺ في هذه القضية وفي قضية إيثار بعض المجاهدين على بعض عند توزيع الغنائم في غزوة حنين إنما كان تطبيقًا لمبدأ تأليف , ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ , وهذا فهم له وجاهته , ولكن حق ﴿الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ إنما جاء به النص فيما يتعلق بالصدقات , لا فيما يتعلق بالغنائم , ثم إن الذين آثرهم رسول الله ﷺ بحصص أوفر من الغنائم ليسوا جميعًا ممن تنطبق عليهم صفة ﴿الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ , بل قد لا يكون من تنطبق عليهم هذه الصفة , عدا بعض الأفراد , ثم إن رسول الله ﷺ حين ترضى الأنصار وقد ساء بعضهم أن يؤثر عليهم بعضهم في الغنائم لم يتعلل في استرضائهم بتأليف القلوب ممن آثرهم صراحة وإن أمكن فهم ذلك احتمالًا مما قاله
في استرضائهم , وإنما تعلل في استرضائهم صراحة بالموازنة بين خلاقين؛ خلاق من يعود إلى رحله بالمغانم من الشاة والجمال , وخلاق من يعود برحله إلى رسول الله , وشتان بين الخلاقين.
على أن هذه الشبهة وما شاكلها مما قد يثيره المجادلون لا مجال لها في قضية كل من أبي قتادة ومعاذ بن عمرو بن الجموح , فما من أحد يستطيع أن يزعم بأن هذين الصحابيين الجليلين يمكن الغمز فيهما بأنهما من ﴿المؤلفة قلوبهم﴾ , ولا بأن رسول الله ﷺ حين أعطى سلب أبي جهل لمعاذ بن عمرو بن الجموح وحين أعطى أبا قتادة سلب قتيله , كان يتألف أحدهما أو يتألفهما معًا , وإن يكن الاحتمال وجيهًا أنه ﷺ كان بعمله ذاك يحفز أبطال المسلمين , لا سيما الشباب إلى المزيد من الاستبسال في مواجهة الأعداء , على أن لهاتين القضيتين دلالة بالغة الأثر , وهي أن قضية معاذ بن عمرو بن الجموح كانت في غزوة بدر أولى غزوات رسول الله ﷺ , وقضية أبي قتادة كانت في حنين أخرى غزواته ﵊ , وفي كلتا القضيتين تصرف بمقتضى الإمامة، وهذا يعني أن قاعدة التصرف بمقتضى الإمامة قاعدة مكينة استمرت من فعل رسول الله ﷺ طيلة عهده النير الميمون , فليس لأحد أن يجادل فيها.