ونحسب أن حياة عمر العامة هي المرجع الغني الأصيل بعد سنة رسول الله ﷺ لالتماس حكم الشريعة الإسلامية فيما لم يأت فيه نص في القرآن الكريم.
ولو مضينا في استقصاء النماذج - أقول: النماذج , وليس الكل - لما يصل بموضوعنا (الحكم بمقتضى الإمامة) من حياة عمر العملية والقولية العامة , لكان علينا أن نضع مجلدًا خاصا بنصوصها وأسانيدها ومقاصدها وما يستنبط منها , وكم نود أن يمد الله لنا في العمر ويمنحنا من الجهد ويهبنا من التوفيق ما يتيح لنا التفرغ لهذا العمل بعد أن نفرغ من عمل نرسم له الآن معالمه , وهو المنهاج النبوي في السياسة الداخلية والخارجية للدولة الإسلامية.
لذلك نحاول أن ندرج كما اتفق وتيسر لنا - ولا نقول: أن نصطفي , فحياة عمر كلها صفوة الصفايا - بعض النماذج لتصرفاته التشريعية بمقتضى الإمامة ﵁ وأرضاه.
روى عبد الرزاق (١) :
عن الثوري وابن جريج , عن يحيى بن سعيد , عن مسلم بن جندب.
وروى ابن حزم (٢) نقلًا عن عبد الرزاق حديث مسلم بن جندب هذا , وننقله عنه؛ لأن النسخة المطبوعة من مصنف عبد الرزاق سقطت منها كلمة أو كلمتان , بينما رواية ابن حزم وافية.
قال مسلم بن جندب: قدم المدينة طعام , فخرج أهل السوق إليه , فابتاعوه , فقال لهم عمر: أفي سوقنا هذا تتجرون؟ أشركوا الناس , أو اخرجوا فاشتروا , ثم ائتوا فبيعوا.
وقال مالك (٣) : إنه بلغه أن عمر بن الخطاب قال: لا حكرة في سوقنا , لا يعمد رجال بأيديهم فضول من أذهاب إلى رزق من رزق الله نزل بساحتنا , فيحتكرون علينا , ولكن أيما جالب جلب على عمود كبده في الشتاء والصيف , فذلك ضيف عمر , فليبع كيف شاء الله , وليمسك كيف شاء الله.