وحسما لهذا وذاك تجاوز عمر ظاهر النصوص واعتمدنا قاعدة التصرف بمقتضى المصلحة العامة , فرزأها في قميصيهما ابتغاء أن يشيع خبر ما فعل , وأن يتردد شيوعه بين الناس , فيزدجر المترصدون للاحتذاء , ويحرص المتربصون للغمز واللمز وترتكز قاعدة سياسية واجتماعية مفادها تأكيد حظر لبس الحرير إلا لضرورة مثل التي أباح رسول الله ﷺ من أجلها لعبد الرحمن بن عوف أن يلبسه وتطبيق حكم الحظر على الناس جميعًا وإن اختلفت مواقعهم ومقاماتهم بأسلوب واحد لا يتأثر باختلاف المواقع والمقامات , فتتأكد بذلك سنة المساواة بين الناس في الحكم وتطبيق الحكم.
وتحريق باب قصر سعد عمل سياسي بعيد المدى عميق الأثر , فعمر أعلم الناس بأنه لو كتب إلى سعد مجرد كتاب يأمره أن يهدم القصر , لا أن يخلع بابه فحسب , لما وضع سعد الكتاب من يده قبل أن يكون قد شرع في هدم القصر.
ولكن "أقاويل " بلغت عمر , فخشي على دولة المسلمين أن تنتشر فيها "قالات " تخدش ثقة العامة في قادتها وصدور أئمتها , وما من شك في أن الناس جميعًا - أو جمهرة منهم على الأقل , لا سيما أهل الكوفة وكانوا جندًا لسعد في فارس - قد سمعوا أنه من المبشرين بالجنة , وعلموا مكانته من رسول الله ﷺ والقالة فيه تشيع الريبة فيمن لا يزالون من الإسلام على رخاوة، ومن يدري فالعهد بالنفاق غير بعيد وإن مضت أعوام على لحاق رسول الله ﷺ بالرفيق الأعلى , والاحتمال قوي بأن لا يزال في الناس منافقون دخلوا الإسلام رهبة من السيف أو رغبة في الكيد والفسق. وإذا فقد يجدون من قصر سعد - وقد بني على نمط قصور الأكاسرة كما تقول الروايات - ومن إغلاق سعد بابه على الغوغاء الذين يصطخبون عند بابه بتجارتهم , إذ كانت السوق بجانب القصر , والمسجد مادة للارتياب في مدلول العدل والمساواة في الإسلام أو للدس والوقيعة بين عامة المسلمين وصدور أئمتهم , فكان لزامًا أن يقضى على مثل هذا الاحتمال بعمل حاسم صاخب تتناقله الألسنة , ويتخذ منه الناس حديث مجلسهم , ويعتبر به غير سعد من العمال , وقل فيهم أو استحال من يسامت سعدًا موقعًا ومقامًا وعمق دين. ولا ريب عندنا في أن عمر قد ارتأى ذلك , وأبعد منه مدى وأعمق أثرًا وأبلغ اعتبارًا حين أمر محمد بن مسلمة بإحراق باب قصر سعد دون أن يطرقه أو ينذره , ولم يكن يقصد سعدًا بأمره , وإنما كان يقصد غيره من العمال , ويقصد عامة الناس.