ورواية المنع محمولة على ما يخفى غشه ويقع اللبس به، فإن ذلك يفضي إلى التغرير بالمسلمين، وقد أشار أحمد إلى هذا في رجل اجتمعت عنده دراهم زيوف ما يصنع بها؟ قال: يسبكها، قيل له: فيبيعها بدنانير؟ قال: لا قيل: يبيعها بفلوس؟ قال: لا قيل: فبسلعة؟ قال: لا، إني أخاف أن يغر به مسلمًا، قيل لأبي عبد الله: إني أخاف أن يغر بها مسلمًا، وقال: ما ينبغي له لأنه يغر به مسلمًا، ولا أقول: إنه حرام على تأويل وذلك إنما كرهته لأنه يغر بها مسلمًا فقد صرح بأنه إنما كرهه لما فيه من التغرير بالمسلمين فإن مشتريها خلطها بدراهم جيدة واشترى بها ممن لا يعرف حالها ولو كانت مما اصطلح على إنفاقه لم يكن نفاية.
فإن قيل: فقد روي عن عمر، أنه قال: من زافت عليه دراهمه، فليخرج بها إلى البقيع فليشتر بها سحق الثياب (١) ، وهذا دليل على جواز إنفاق المغشوشة التي لم يصطلح عليها قلنا: قد قال أحمد معنى زافت عليه دراهمه - أي نفيت - ليس أنها زيوف فيتعين حمله على هذا جمعًا بين الروايتين ويحتمل أنه أراد ما ظهر غشه وبان زيفه بحيث لا يخفى على أحد، لا يحصل بها تغير.
وإن تعذر تأويلها تعارضت الروايتان عنه ويرجع إلى ما ذكرنا من المعنى.