ثم قال: وأما جمهور العلماء فذهبوا إلى أن الربا منقول في عرف الشرع إلى معنى جديد كما دلت عليه أحاديث كثيرة وإلى هذا نحا عمر بن الخطاب وعائشة وأبو سعيد الخدري وعبادة بن الصامت بل رأى عمر أن لفظ الربا نقل إلى معنى جديد ولم يبين جميع المراد منه فكأنه عنده مما يشبه المجمل فقد حكى عنه ابن رشد في المقدمات أنه كان من آخر ما أنزل الله على رسوله آية الربا، فتوفي النبي ﷺ ولم يفسرها وإنكم لتزعمون أننا نعلم أبواب الربا ولأن أكون أعلمها أحب إلى من أن يكون لي مثل مصر وكورها (١)
قال ابن رشد: ولم يرد عمر بذلك أن رسول الله ﷺ لم يفسر آية الربا، وإنما أراد - والله أعلم - أنه لم يعم وجوه الربا بالنص عليها، وقال ابن العربي: بين رسول الله ﷺ معنى الربا في ستة وخمسين حديثًا والوجه عندي أنه ليس مراد عمر أن لفظ الربا مجمل؛ لأنه قابله بالبيان وبالتفسير بل أراد أن تحقيق حكمه في صور البيوع الكثيرة خفي لم يعمه النبي ﷺ بالتنصيص لأن المتقدمين لا يتوخون في عباراتهم ما يساوي المعاني الاصطلاحية فهؤلاء الحنفية سموا المخصصات بيان تغيير وذكر ابن العربي في العواصم أن أهل الحديث يتوسعون في معنى البيان وفي تفسير الفخر عند الشافعي أن قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [الآية ٢٧٥ من سورة البقرة] ، ومن المجملات التي لا يجوز التمسك بها أي بعموميها: عموم البيع وعموم الربا؛ لأنه إن كان للمراد جنس البيع وجنس الزيادة لزم أي بيع وأي زيادة، وإن كان المراد أي بيع وأي زيادة فما من بيع إلا وفيه زيادة، فأول الآية أباح جميع البيوع وآخرها حرم الجميع فوجب الرجوع إلى بيان الرسول ﵇، والذي حمل الجمهور على اعتبار لفظ الربا مستعملًا في معنى جديد أحاديث وردت عن النبي ﷺ من قول أو فعل دلت على تفسير الربا بما هو أعم من ربا الجاهلية المعروف عندهم قبل الإسلام.
ثم قال (نفس المرجع: ٤/٨٦، ٨٧) :
وحكمة تحريم الربا هي قصد الشريعة حمل الأمة على مواساة غنيها محتاجها احتياجًا عارضًا مؤقتًا بالقرض فهو مرتبة دون الصدقة وهو ضرب من المواساة إلا أن المواساة منها فرض كالزكاة، ومنها ندب كالصدقة والسلف فإن انتدب لها المكلف حرم عليه طلب عوض عنها وكذلك المعروف كله، وذلك أن العادة الماضية في الأمم وخاصة العرب أن المرء لا يتداين إلا لضرورة حياته، فلذلك كان حق الأمة مواساته، والمواساة يظهر أنها فرض كفاية على القادرين عليها فهو غير الذي جاء يريد المعاملة للربح كالمتبايعين والمتصارفين. الفرق الواضح في العرف بين التعامل وبين التداين إلا أن الشرع ميز هاته النواحي بعضها عن بعض بحقائقها الذاتية لا باختلاف أحوال التعاقدين فلذلك لم يسمح لصاحب المال في استثماره بطريقة الربا في السلف ولو كان المستسلف غير محتاج بل كان سعة وإثراء بتحريك المال الذي يتسلفه في وجوه الربح والتجارة ونحو ذلك وسمح لصاحب المال في استثماره بطريقة الشركة والتجارة ودين السلم ولو كان الربح في ذلك أكثر من مقدار الربا تفرقة بين المواهي الشرعية.