وأما الأصناف الأربعة المطعومة فحاجة الناس إليها أعظم من حاجتهم إلى غيرها؛ لأنها أقوات العالم وما يصلحها، فمن رعاية مصالح العباد أن منعوا من بيع بعضها ببعض إلى أجل سواء اتحد الجنس أو اختلف ومنعوا من بيع بعضها ببعض حالًا متفاضلًا، فإن اختلفت صفاتها جوز لهم التفاضل مع اختلاف أجناسها.
ثم أفاض في تبيان هذا المعنى وتعليله، والتوضيح له، ثم قال:
وإذا تأملت ما حرم فيه النساء رأيته إما صنفًا واحدًا أو صنفين، مقصودهما واحد أو تقارب كالدراهم والدنانير والبر والشعير والتمر والزبيب، فإذا تباعدت المقاصد لم يحرم النساء كالبر والثياب والحليب والزيت.
ثم قال:
وسر المسألة أنهم منعوا من التجارة في الأثمان بجنسها؛ لأن ذلك يفسد عليهم مقصود الأثمان ومنعوا من التجارة في الأقوات بجنسها، لأن ذلك يفسد عليهم مقصود الأقوات وهذا معنى بعينه موجود في بيع التبر والعين، لأن التبر ليس فيه صفة يقصد لأجلها فهو بمنزلة الدراهم التي قصد الشارع أن لا يفاضل بينهما ولهذا قال: " تبرها وعينها سواء "، فظهرت حكمة تحريم ربا النساء في الجنس والجنسين، وربا الفضل في الجنس الواحد، وأن تحرم هذا تحريم المقاصد وتحريم الآخر تحريم الوسائل وسد الذرائع ولهذا لم يبح شيء من ربا النسيئة.
ولابن رشد الحفيد تلخيص جيد لهذه الآراء المتواجهة مع إضافة سبق الإلماع إليها لكنه أوضحها بما يجلو مصادرها ومقاصدها، قال ﵀ في (بداية المجتهد: ٢/١٣٠، ١٣٣) :
إن الذين قصروا صنف الربا على هذه الأصناف الستة فهم أحد صنفين: إما قوم نفوا القياس في الشرع أعني استباط العلل من الألفاظ وهم الظاهرية، وإما قوم نفوا قياس الشبه وذلك أن جميع من ألحق المسكوت ههنا بالمنطوق به فإنما ألحقه بقياس الشبه لا بقياس العلة إلا ما حكي عن ابن الماجشون أنه اعتبر في ذلك " المالية " وقال: علة منع الربا إنما هي حياطة الأموال يريد منع العين.
وأما القاضي أبو بكر الباقلاني فلما كان قياس الشبه عنده ضعيفًا، وكان قياس المعنى عنده أقوى منه اعتبر في هذا الموضع قياس المعنى إذ لم يتأت له قياس علة، فألحق الزبيب فقط بهذه الأصناف الأربعة؛ لأنه زعم أنه في معنى التمر.