وإنا نلاحظ على هذا الرأي أنه مع صحته فيما يتعلق بالقرض بفائدة وغيره من المعاملات التي عدى إليها الفقهاء حكم التحريم في بيع الأصناف الستة بجامع علل اختلفوا فيها اختلافًا كبيرًا مما يؤيد رأيه في أن تحديد الوسائل ودرجة إفضائها إلى المقاصد من أشق الأمور التي تختلف فيها الأفهام، فلا تطمئن النفس إلى أن يكون شيء كهذا مناطًا للقول بالتحريم الديني - أقول: مع التسليم بصحة رأيه في هذه الجزئية فإنه يتعذر التسليم به في جزئية أخرى وهي قوله بعدم دخول بيع الأصناف الستة في الربا المحرم؛ لأن بيع الأصناف وإن كان وسائل وذرائع إلى الربا، إلا أنها وسائل وذرائع منصوصة ودلالة الأحاديث عليها لا تختلف فيها الأفهام، أما قوله: إن النهي عن بيع هذه الأصناف كان تورعًا لإفادة أن بيعها خلاف الأولى أو كان للكراهية فقط لا للتحريم، فدعوى تتعارض مع ظواهر نصوص الأحاديث والمأثور عن الصحابة فظاهر الأحاديث يفيد التحريم إذ أطلق على هذه البيوع لفظ الربا ومعلوم إثمه وما خص به من شديد الوعيد، وإذا سلمنا أن إطلاق لفظ الربا هنا من قبيل المجاز؛ لأن هذه البيوع ذرائع إلى الربا فلا أقل من أن تكون للشارع حكمة في إلحاقها بالربا، وهي أن يكون لها حكمه وهو الحرمة، وإن كانت حرمتها أخف من حرمة الربا الحقيقي بحيث يتجاوز عنها فيما تدعو إليه الحاجة كما هو رأي ابن القيم.
قلت: يغفر الله لزكي بدوي كان أولى به، وهو رجل القانون الضليع أن يجادل رشيد رضا في دعوى " الذرائعية "، في تحريم الربا في الأصناف الستة وأن يدمغه بأن المناط الجامع لتشريع التحريم هو أن التعامل بالمفاضلة فيها ظلم في حد ذاته آية ذلك أن كلمة الربا في القرآن الكريم لم يأت معها أو في سياقها ما يحدد دلالتها فكان الحديث النبوي الشريف هو الذي حدد مدلولها تمامًا كما حدد مدلول الصلاة والزكاة والحج وغيرها من شرائع العبادات والمعاملات التي لم يأت نص بيان جزئياتها أو مدلولات أسمائها والسنة النبوية مبينة بالإجماع ولو لم تكن مبينة لانبهم على المكلفين الكثير بل الأغلب من شرائع الله في العبادات والمعاملات، وإذن فالربا الذي بينه رسول الله ﷺ في الحديث وعين مجاله أو أمثلة لو في الأصناف الستة هو الربا الذي جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [الآية ٢٧٩ من سورة البقرة] . بعد أن توعد آكل الربا بذلك الوعيد الشديد الذي لم يتوعد به فاعل أية فاحشة مهما عظم وزرها وليس في الشرع الإسلامي قرآنًا أو حديثًا، ما يدعو إلى التماس الفرق بين نوع وآخر من الأنواع الربوية التي كانت معروفة في العهد النبوي ولا مجال إلى الدعوى بأن بيع الأصناف الستة بالتفاضل في الجنس الواحد لم يكن معروفًا في العهد النبوي، فلو كان كذلك لما ورد في الحديث الشريف في صيغ مختلفة وحول وقائع مختلفة واستفاض لدى الصحابة حتى اشتد عمر في بعض صوره أو الصور القريبة منه تلك الشدة المستفيضة في حديث مالك بن أوس بن الحدثان.