الحالة الأولى نصاب الزكاة، فكيف يتم تحديده بالعملة الورقية، بل هل العملة الورقية مما تجب فيه الزكاة؟ لقد حاول البعض التشكيك في وجوبها فيها إذ اعتبروا أن الزكاة إنما وجبت في الذهب والفضة لذاتهما فحسب، وهو اعتبار يضطرب بين القصور في الفهم والاشتباه في الوعي الدينى، ذلك بأن الزكاة في الذهب والفضة فرضت فيهما على حالين: حالة العينية وهي ما جاء التعبير في الحديث الشريف عنها بالموازين (الأواق) والحالة النقدية وهو ما جاء فيه التعبير عنها بالعدد (الدراهم) و (الدنانير) ، فلو أن رسول الله ﷺ لم يرد إبراز الملحظ النقدي لكان التعبير بـ "الأواق" كافيًا في الفضة على الأقل وعندئذ يمكن القول بأن " الدنانير" إنما أريد بها تعيين الوزن المقابل للأواق الفضية، لكن تحديده ﷺ لكلمة الدراهم وكلمة التقويم الواردة في حديث عمرو بن شعيب في كتابه لعمرو بن حزم عند تحديد نصاب الذهب في الزكاة كلاهما دليل صريح على أن اعتبار النقدية له كيان متميز في تشريع الزكاة عن اعتبار العينية في الذهب والفضة.
ينتج عن هذا تلقائيًا أن كل ما وجد فيه اعتبار النقدية تجب فيه الزكاة.
أما أساس تحديد النصاب في أية عملة غير ذهبية أو فضية فهو قيمتها من الذهب والفضة مجتمعين، فإذا تساوت بالقياس إليهما فتلك هي القيمة، وإذا اختلفت عند المقارنة مع كل واحد منهما فالراجح عندنا اعتبار القيمة بالنسبة إلى الذهب على أساس تحكيم الفرق في التقويم والعرف قد أسقط الفضة من التقويم لكن اعتبارها على أساس المقارنة بالفضة له وجاهته من حيث الأساس الذي اعتبره رسول الله ﷺ إذا أسقطنا أن الاعتبار النبوي لهذا الأساس قائم على ملاحظة العرف السائد يومئذ وملاحظته هو المرجح له عندنا على الدلالة اللفظية لنص الحديث.
أما الحالة الثانية فهي العقوبات المالية مثل الديات والقصاص، وفي هذه نرجح أن تحديدها يتم على أساس قيمة العملة المتداولة من كل من الذهب والإبل عند وقوع ما استحقت من أجله، ذلك بأن الأساس الذي وضعه رسول الله ﷺ للعقوبات الجنائية والجنحية كالديات والقصاص هو تحديدها بالإبل لكن انحسار دور الإبل في الحياة الاقتصادية المعاصرة وارتفاع سعرها، ثم تحديد عمر لما يقابل قيمتها من الذهب جعلنا نرجح تقويم العملة المتداولة في كل عصر إذا لم تكن من الذهب أو الفضة على أساس اعتبار قيمة الذهب والإبل معًا أى على أساس مزدوج وملحظنا في هذا هو أن العقوبة تقتضي الزجر وأن حقوق المستحق للتعويض يتعذر استيفاؤها استيفاء يطمأن إليه بدون تقويم العملة على الأساسين معًا.