Lewati ke konten

Kitab: Madarijus Salikin · Pengarang: ابن القيم

Baca Juz 1, halaman 428

  1. فصل في منازل إياك نعبد
  2. فصل منزلة التوبة
  3. فصل في مشاهد الخلق في المعصية
  4. فصل المشهد الثاني عشر مشهد الذل والانكسار والخضوع والافتقار للرب جل جلاله

فِي هَذَا الْمَشْهَدِ مَا مِنْ رَبِّهِ إِلَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَيَرَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ قَلِيلًا مِنْهُ وَلَا كَثِيرًا، فَأَيُّ خَيْرٍ لَهُ مِنَ اللَّهِ اسْتَكْثَرَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَعَلِمَ أَنَّ قَدْرَهُ دُونَهُ، وَأَنَّ رَحْمَةَ رَبِّهِ هِيَ الَّتِي اقْتَضَتْ ذِكْرَهُ بِهِ، وَسِيَاقَتَهُ إِلَيْهِ، وَاسْتَقَلَّ مَا مِنْ نَفْسِهِ مِنَ الطَّاعَاتِ لِرَبِّهِ، وَرَآهَا وَلَوْ سَاوَتْ طَاعَاتِ الثَّقَلَيْنِ مِنْ أَقَلِّ مَا يَنْبَغِي لِرَبِّهِ عَلَيْهِ، وَاسْتَكْثَرَ قَلِيلَ مَعَاصِيهِ وَذُنُوبِهِ، فَإِنَّ الْكَسْرَةَ الَّتِي حَصَلَتْ لِقَلْبِهِ أَوْجَبَتْ لَهُ هَذَا كُلَّهُ.

فَمَا أَقْرَبَ الْجَبْرَ مِنْ هَذَا الْقَلْبِ الْمَكْسُورِ! وَمَا أَدْنَى النَّصْرَ وَالرَّحْمَةَ وَالرِّزْقَ مِنْهُ! وَمَا أَنْفَعَ هَذَا الْمَشْهَدَ لَهُ وَأَجْدَاهُ عَلَيْهِ! وَذَرَّةٌ مِنْ هَذَا وَنَفَسٌ مِنْهُ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ طَاعَاتٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ مِنَ الْمُدِلِّينَ الْمُعْجَبِينَ بِأَعْمَالِهِمْ وَعُلُومِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ، وَأَحَبُّ الْقُلُوبِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ قَلْبٌ قَدْ تَمَكَّنَتْ مِنْهُ هَذِهِ الْكَسْرَةُ، وَمَلَكَتْهُ هَذِهِ الذِّلَّةُ، فَهُوَ نَاكِسُ الرَّأْسِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ، لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَيْهِ حَيَاءً وَخَجَلًا مِنَ اللَّهِ.

قِيلَ لِبَعْضِ الْعَارِفِينَ: أَيَسْجُدُ الْقَلْبُ؟ قَالَ: نَعَمْ يَسْجُدُ سَجْدَةً لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْهَا إِلَى يَوْمِ اللِّقَاءِ، فَهَذَا سُجُودُ الْقَلْبِ.

فَقَلْبٌ لَا تُبَاشِرُهُ هَذِهِ الْكَسْرَةُ هُوَ غَيْرُ سَاجِدٍ السُّجُودَ الْمُرَادَ مِنْهُ، وَإِذَا سَجَدَ الْقَلْبُ لِلَّهِ هَذِهِ السَّجْدَةَ الْعُظْمَى سَجَدَتْ مَعَهُ جَمِيعُ الْجَوَارِحِ، وَعَنَا الْوَجْهُ حِينَئِذٍ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ، وَخَشَعَ الصَّوْتُ وَالْجَوَارِحُ كُلُّهَا، وَذَلَّ الْعَبْدُ وَخَضَعَ وَاسْتَكَانَ، وَوَضَعَ خَدَّهُ عَلَى عَتَبَةِ الْعُبُودِيَّةِ، نَاظِرًا بِقَلْبِهِ إِلَى رَبِّهِ وَوَلِيِّهِ نَظَرَ الذَّلِيلِ إِلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ، فَلَا يُرَى إِلَّا مُتَمَلِّقًا لِرَبِّهِ، خَاضِعًا لَهُ، ذَلِيلًا مُسْتَعْطِفًا لَهُ، يَسْأَلُهُ عَطْفَهُ وَرَحْمَتَهُ، فَهُوَ يَتَرَضَّى رَبَّهُ كَمَا يَتَرَضَّى الْمُحِبُّ الْكَامِلُ الْمَحَبَّةِ مَحْبُوبَهُ الْمَالِكَ لَهُ، الَّذِي لَا غِنَى لَهُ عَنْهُ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، فَلَيْسَ لَهُ هَمٌّ غِيْرَ اسْتِرْضَائِهِ وَاسْتِعْطَافِهِ، لِأَنَّهُ لَا حَيَاةَ لَهُ وَلَا فَلَاحَ إِلَّا فِي قُرْبِهِ وَرِضَاهُ عَنْهُ، وَمَحَبَّتِهِ لَهُ، يَقُولُ: كَيْفَ أُغْضِبُ مَنْ حَيَاتِي فِي رِضَاهُ؟ وَكَيْفَ أَعْدِلُ عَمَّنْ سَعَادَتِي وَفَلَاحِي وَفَوْزِي فِي قُرْبِهِ وَحُبِّهِ وَذِكْرِهِ؟

وَصَاحِبُ هَذَا الْمَشْهَدِ يَشْهَدُ نَفْسَهُ كَرَجُلٍ كَانَ فِي كَنَفِ أَبِيهِ يَغْذُوهُ بِأَطْيَبِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَاللِّبَاسِ، وَيُرَبِّيهِ أَحْسَنَ التَّرْبِيَةِ، وَيُرَقِّيهِ عَلَى دَرَجَاتِ الْكَمَالِ أَتَمَّ تَرْقِيَةٍ، وَهُوَ الْقَيِّمُ بِمَصَالِحِهِ كُلِّهَا، فَبَعَثَهُ أَبُوهُ فِي حَاجَةٍ لَهُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ فِي طَرِيقِهِ عَدُوٌّ، فَأَسَرَهُ وَكَتَّفَهُ وَشَدَّهُ وَثَاقًا، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ إِلَى بِلَادِ الْأَعْدَاءِ فَسَامَهُ سُوءَ الْعَذَابِ، وَعَامَلَهُ بِضِدِّ مَا كَانَ أَبُوهُ يُعَامِلُهُ بِهِ، فَهُوَ يَتَذَكَّرُ تَرْبِيَةَ وَالِدِهِ وَإِحْسَانَهُ إِلَيْهِ الْفَيْنَةَ بَعْدَ الْفَيْنَةِ، فَتَهِيجُ مِنْ قَلْبِهِ لَوَاعِجُ الْحَسَرَاتِ كُلَّمَا رَأَى حَالَهُ، وَيَتَذَكَّرُ مَا كَانَ عَلَيْهِ وَكُلَّ مَا كَانَ فِيهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي أَسْرِ عَدُوِّهِ يَسُومُهُ سُوءَ الْعَذَابِ، وَيُرِيدُ نَحْرَهُ فِي آخِرِ الْأَمْرِ، إِذْ حَانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ إِلَى نَحْوِ دِيَارِ أَبِيهِ، فَرَأَى أَبَاهُ مِنْهُ قَرِيبًا، فَسَعَى إِلَيْهِ، وَأَلْقَى نَفْسَهُ عَلَيْهِ، وَانْطَرَحَ بَيْنَ يَدَيْهِ، يَسْتَغِيثُ

Rujukan halaman ini: مدارج السالكين - ط الكتاب العربي، ج 1، ص 428 (SanadKitab #8370, hlm. urut 400)

Cocokkan kembali dengan kitab cetak sebelum mengutip. Keberatan hak cipta? Hubungi kami dan kitab akan segera kami turunkan.