هُوَ، وَلَئِنْ كُنْتَ رَأَيتَهُمَا يَفْعَلَانِ (¬١) ذَلِكَ إِنَّهُمَا لَيَعْلَمَانِ أَنْ فَضلَ المَاشِي خَلْفَهَا عَلَى (¬٢) الْمَاشِي أَمَامَهَا، كَفَضْلِ صَلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى صلَاةِ التَّطَوُّعِ، كَمَا يَعْلَمَانِ أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً، وَلَقَدْ سَمِعَا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَمعْتُ، وَلَكِنَّهُمَا كَرِهَا أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ وَيَتَضَايَقُوا، فَاخْتَارَا (¬٣) أَنْ يَتَقَدَّمَا وَأَنْ يُسَهِّلَا، وَقَدْ عَلِمَا أَنَّهُ يُقْتَدَى بِهِمَا، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ تَقَدَّمَا.
فَقَالَ (¬٤) أَبُو سَعِيدٍ: يَا أَبَا حَسَن (¬٥)، أَرَأَيْتَ إِنْ شَهِدْتُ الْجِنَازَةَ أَحَمْلُهَا وَاجِبٌ عَلَى مَنْ شَهِدَهَا؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ خَيْرٌ، فَمَنْ شَاءَ أَخَذَ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ، فَإِذَا أَنْتَ شَهِدْتَ الْجِنَازَةَ فَقَدِّمْهَا بَيْنَ يَدَيْكَ، وَاجْعَلْهَا نُصُبًا بَيْنَ عَيْنَيْكَ، فَإِنَّمَا هِيَ مَوْعِظَةٌ وَتَذْكِرَةٌ وَعِبْرَةٌ، فَإِنْ بَدَا لَكَ أَنْ تَحْمِلَهُ، فَانْظُرْ إِلَى مُقَدَّمِ السَّرِيرِ، فَانْظُرْ إِلَى جَانبِهِ الْأَيْسَرِ، فَاجْعَلْهُ عَلَى مَنْكِبِكَ (¬٦) الْأَيْمَنِ، فَإِذَا جِئتَ الْمَقْبُرَةَ فَصَلَّيْتَ عَلَيْهَا فَلَا تَجْلِسْ، وَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ، فَإِنَّكَ تَرَى أَمْرًا عَظِيمًا؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (¬٧): "أَخُوكَ أَخُوكَ، كَانَ يُنَافِسُكَ فِي الدُّنْيَا وَيُشَاحُّكَ فِيهَا، تُضَايِقُ بِهِ سُهُولَةَ الْأَرْضِ قُصُورا، فَإِذَا هُوَ يُدْخَلُ فِي جَوْفِ قَبْرِ مُنْحَرِفًا عَلَى جَنْبِهِ، فَإِنْ لَمْ * يَدَعُوكَ فَلَا تَدَع أَنْ تَقُومَ حَتَّى يُدَلَّى فِي حُفرَتِهِ، وَإِنْ قَاتَلُوكَ (¬٨) قِتَالًا".