وسَادِسُهَا -وَهُوَ مِن النُّكَتِ الْبَدِيعَةِ جِدًّا-: أَنَّهُ دَالٌّ عَلَى قُرْبِ صَاحِبِهِ [مِن الله، وأنه لاقترابِه منه وشدَّةِ حضورِه يسألُه مَسْأَلةَ أقربِ شَيءٍ إليه، فيسألُه مَسْألةَ مُنَاجاةِ الْقَرِيبِ] (¬١) لِلْقَرِيبِ، لَا مَسْأَلَةَ نِدَاءِ الْبَعِيدِ لِلْبَعِيدِ؛ وَلهَذَا أَثْنَى اللهُ عَلَى عَبْدِهِ زَكَرِيَّا بِقَوْلِهِ ﷿: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾ [مريم: ٣].
فَلَمَّا اسْتَحْضَرَ الْقَلْبُ قُرْبَ اللهِ ﷿، وَأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِن كُل قَرِيبٍ أَخْفَى دُعَاءَ مَا أَمْكَنَهُ.
وَتَأَمَّلْ كَيْفَ قَالَ فِي آيَةِ الذّكْرِ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥] (¬٢) الْآيَةُ، وَفِي آيَةِ الدُّعَاءِ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ فَذِكَرَ التَّضَرُّعَ فِيهِمَا مَعًا، وَهُوَ التَّذَلُّلُ وَالتَّمَسْكُنُ وَالِانْكِسَارُ (¬٣).
وَخَصَّ الدُّعَاءَ بِالْخُفْيَةِ لِمَا ذَكَرْنَا مِن الْحِكَمِ وَغَيْرِهَا، وَخَصَّ الذِّكْرَ بِالْخِيفَةِ (¬٤)؛ لِحَاجَةِ الذَّاكِرِ إلَى الْخَوْفِ، فَإِنَّ الذكْرَ يَسْتَلْزِمُ الْمَحَبَّةَ ويُثْمِرُهَا؛