وأخرج مسلم (١٧٨) من حديث أَبِي ذَرٍّ، ﵁، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: "نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ؟ ".
وهذا حديث صريح في نفي الرؤية، بل هو أبلغ من النفي الصريح لمجيئه على صورة الاستفهام الإنكاري، لأن معناه: كيف أراه؟ وقد منعني من رؤيته النور؟ وهذا النور هو الحجاب الوارد في حديث أبي موسى، ﵁: "حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ". أخرجه مسلم (١٧٩) .
وقد جاء عن ابن عباس، ﵄، وروايات مطلقة بإثبات الرؤية، وروايات مقيدة بأنه رآه بفؤاده. فتحمل الروايات المطلقة على الروايات المقيدة. ففي صحيح مسلم (١٧٦) أنه قال في قوله تعالى: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) . قَالَ: رَآهُ بِقَلْبِهِ.
وأخرج ابن أبي عاصم في السنة (١٩٢) ، والحاكم في المستدرك (٢/٥٠٩) ، وابن منده في الإيمان (٢/٧٦١) عن ابن عباس، ﵄، قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم ﵇، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد ﷺ؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والألفاظ الثابتة عن ابن عباس، ﵄، هي مطلقة أو مقيدة بالفؤاد.... ولم يثبت عن ابن عباس، ﵄، لفظ صريح بأنه رآه بعينه) [ينظر: مجموع الفتاوى (٦/٥٠٩) ] .
وقال الحافظ ابن حجر: (الجمع بين إثبات ابن عباس ونفي عائشة، ﵃، بأن يحمل نفيها على رؤية البصر، وإثباته على رؤية القلب) [ينظر: فتح الباري (٨/٦٠٨) ] .
وأما قوله تعالى في سورة النجم: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى) . فالمقصود هو دنو جبريل وتدليه، كما قالت عائشة وابن مسعود- ﵄. انظر صحيح البخاري (٤٨٥٦،٤٨٥٥) ، صحيح مسلم (١٧٧،١٧٤) .
وهذا الذي يدل عليه سياق الآيات، قال تعالى: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى) . فالضمائر كلها راجعة إلى هذا المعلم الشديد القوى، وهو جبريل ﵇. [ينظر: شرح العقيدة الطحاوية (١/٢٧٦) ] .