بل ما أنزل الكتاب وأرسل الرسول – ﷺ بل وجميع الكتب وجميع الرسل إلا لتحقيق التوحيد وإفراد الله –تعالى- بالعبادة، قال تعالى: "وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون" [الأنبياء:٢٥] ، وقد حذر الله –تعالى- في العديد من الآيات من دعاء الأموات فقال تعالى عنهم: "إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" [الأعراف:١٩٤] ، وقال تعالى عنهم: "إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ" [فاطر:١٤] ، ومن الأدلة على افتراء هذا الأفاك الأثيم استدلاله بهذه الآية الكريمة: "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ" [المائدة:٥٥-٥٦] ، وأين في هذه الآية جواز سؤال الأموات العون وطلب المدد؟! أما المعنى الصحيح لهذه الآية: فالآية جاءت في سياق النهي عن تولي اليهود والنصارى، قال الله –تعالى-: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" [المائدة:٥١] ، فلما نهى عن ولاية الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم، وذكر أن مآل توليهم الخسران المبين، أخبر بعد ذلك بآيتين صفة من يجب، ويتعين توليه، وذكر فائدة ذلك ومصلحته، فقال تعالى: "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون" [المائدة: ٥٥-٥٦] .
وقد ورد في سبب نزولها عن ابن عباس – ﵄ أنها نزلت في عبادة بن الصامت ﵁ لما تبرأ من اليهود وقد كان موالياً لهم في الجاهلية وقال: أتولى الله ورسوله والذين آمنوا، وقال جابر بن عبد الله- ﵁ جاء عبد الله بن سلام إلى النبي – ﷺ فقال: يا رسول الله إن قومنا قريظة والنضير قد هجرونا وفارقونا وأقسموا ألا يجالسونا، فنزلت هذه الآية فقرأها عليه رسول الله – ﷺ فقال يا رسول الله رضينا بالله ورسوله وبالمؤمنين أولياء، وقيل إنها نزلت في علي بن أبي طالب – ﵁ أنه تصدق وهو راكع، لكن قال ابن كثير بعد أن ذكر عدة روايات في هذا الموضوع، لكن لا يصح منها شيء لضعف أسانيدها وجهالة رجالها. وأياً كان سبب نزول الآية فلا شك أن علي بن أبي طالب وعبادة بن الصامت وعبد الله بن سلام وغيرهم من صحابة رسول الله – ﷺ ﵃ – هم من المؤمنين الذي يدخلون فيها دخولاً أولياً. وانظر تفسير ابن كثير (٣/١١٩٤ – ١١٩٥) .