(بَابُ الطَّعْنِ يَلْحَقُ الْحَدِيثَ مِنْ قِبَلِ غَيْرِ رَاوِيهِ) وَهَذَا عَلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٌ مِنْ ذَلِكَ مَا يَلْحَقُهُ مِنْ الطَّعْنِ مِنْ قِبَلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ
وَقِسْمٌ مِنْهُ مَا يَلْحَقُهُ مِنْ قِبَلِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَمَا يَلْحَقُهُ مِنْ قِبَلِ الصَّحَابَةِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَا يَحْتَمِلُ الْخَفَاءَ عَلَيْهِ أَوْ لَا يَحْتَمِلُهُ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي عَلَى وَجْهَيْنِ أَيْضًا إمَّا أَنْ يَقَعَ الطَّعْنُ مُبْهَمًا بِلَا تَفْسِيرٍ أَوْ يَكُونَ مُفَسَّرًا بِسَبَبِ الْجَرْحِ فَإِنْ كَانَ مُفَسَّرًا فَعَلَى وَجْهَيْنِ أَيْضًا إمَّا أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ مِمَّا يَصْلُحُ الْجَرْحُ بِهِ أَوْ لَا يَصْلُحُ فَإِنْ صَلَحَ فَعَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُجْتَهَدًا فِي كَوْنِهِ جَرْحًا أَوْ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ أَيْضًا إمَّا أَنْ يَكُونَ الطَّاعِنُ مَوْصُوفًا بِالْإِتْقَانِ وَالنَّصِيحَةِ أَوْ بِالْعَصَبِيَّةِ وَالْعَدَاوَةِ.
أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَمِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» فَقَدْ حَلَفَ عُمَرُ أَنْ لَا يَنْفِي أَحَدًا أَبَدًا، وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ كَفَى بِالنَّفْيِ فِتْنَةً وَهَذَا مِنْ جِنْسِ مَا لَا يَحْتَمِلُ الْخَفَاءَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ إقَامَةَ الْحُدُودِ مِنْ خَطِّ الْأَئِمَّةِ وَمَبْنَاهُ عَلَى الشُّهْرَةِ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ ﵄ مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى فَلَوْ صَحَّ لَمَا خَفِيَ وَهَذَا لِأَنَّا تَلَقَّيْنَا الدِّينَ مِنْهُمْ فَيَبْعُدُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِمْ فَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى الِانْتِسَاخِ
ــ
[كشف الأسرار]
التَّرْكَ فِعْلٌ فَكَانَ الِاشْتِغَالُ بِهِ كَالِاشْتِغَالِ بِفِعْلٍ آخَرَ فَيَكُونُ عَمَلًا بِالْخِلَافِ أَيْضًا، وَلِهَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ تَرْكَ ابْنِ عُمَرَ ﵄ الْعَمَلَ بِحَدِيثِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الْقَبِيلَيْنِ.
وَرَأَيْت فِي الْمُعْتَمَدِ لِأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ حَكَى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الرَّاوِيَ لِلْحَدِيثِ الْعَامِّ إذَا خَصَّهُ أَوْ تَأَوَّلَهُ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى تَأْوِيلِهِ وَتَخْصِيصِهِ؛ لِأَنَّهُ لِمُشَاهَدَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَعْرَفُ بِمَقَاصِدِهِ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ الْمَصِيرُ إلَى ظَاهِرِ الْخَبَرِ أَوْلَى، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ التَّمَسُّكَ بِظَاهِرِ الْخَبَرِ أَوْلَى مِنْ تَأْوِيلِ الرَّاوِي إذَا كَانَ تَأْوِيلُهُ بِخِلَافِ ظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَإِنْ كَانَ تَأْوِيلُهُ أَحَدَ مُحْتَمَلَيْ الظَّاهِرِ حُمِلَتْ الرِّوَايَةُ عَلَيْهِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵀؛ لِأَنَّهُ حَمَلَ مَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ ﵄ مِنْ حَدِيثِ الِافْتِرَاقِ عَلَى افْتِرَاقِ الْأَبْدَانِ؛ لِأَنَّهُ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ ﵄، وَقِيلَ إنْ لَمْ يَكُنْ لِمَذْهَبِ الرَّاوِي وَتَأْوِيلِهِ وَجْهٌ إلَّا أَنَّهُ عَلِمَ قَصْدَ النَّبِيِّ ﵇ إلَى ذَلِكَ التَّأْوِيلِ ضَرُورَةً وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى تَأْوِيلِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ بَلْ جَوَازُ أَنْ يَكُونَ صَارَ إلَى ذَلِكَ التَّأْوِيلِ لِنَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ وَجَبَ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ فَإِنْ اقْتَضَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الرَّاوِي وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا، وَكَذَلِكَ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ صَارَ إلَى ذَلِكَ التَّأْوِيلِ لِنَصٍّ جَلِيٍّ لَا مَسَاغَ لِلِاجْتِهَادِ فِي خِلَافِهِ وَتَأْوِيلِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْمَصِيرُ إلَى تَأْوِيلٍ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِالرِّوَايَةِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ التَّأْوِيلِ وَإِنْ كَانَ الْخَبَرُ مُجْمَلًا وَبَيَّنَهُ الرَّاوِي فَإِنَّ بَيَانَهُ أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الطَّعْنِ يَلْحَقُ الْحَدِيثَ مِنْ قِبَلِ غَيْرِ رَاوِيهِ]
(بَابُ الطَّعْنِ يَلْحَقُ لِلْحَدِيثِ مِنْ قِبَلِ غَيْرِ رَاوِيهِ)
قَوْلُهُ (إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَا يَحْتَمِلُ الْخَفَاءَ عَلَيْهِ) أَيْ يَكُونُ الْحَدِيثُ الَّذِي طَعَنَ فِيهِ مِنْ جِنْسِ مَا يَحْتَمِلُ الْخَفَاءَ عَنْ الطَّاعِنِ أَمْ لَا، وَالْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ مَا يَلْحَقُهُ النَّكِيرُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ مَا لَحِقَهُ طَعْنٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فَمِثْلُ مَا رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِت ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» أَيْ حَدُّ زِنَا غَيْرِ الْمُحْصَنِ بِغَيْرِ الْمُحْصَنِ، وَبِهَذَا الْحَدِيثِ تَمَسَّكَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فَجَعَلَ النَّفْيَ إلَى مَوْضِعٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعِ الزَّانِي مُدَّةُ السَّفَرِ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ وَلَمْ يَعْمَلْ عُلَمَاؤُنَا بِهِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ نَفَى رَجُلًا فَلَحِقَ بِالرُّومِ مُرْتَدًّا فَحَلَفَ، وَقَالَ وَاَللَّهِ لَا أَنْفِي أَحَدًا أَبَدًا فَلَوْ كَانَ النَّفْيُ حَدًّا لَمَا حَلَفَ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يُتْرَكُ بِالِارْتِدَادِ فَعَرَفْنَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِطَرِيقِ السِّيَاسَةِ
وَالْمَصْلَحَةِ
كَمَا «نَفَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَبِيتَ الْمُخَنَّثَ مِنْ الْمَدِينَةِ» وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّخَنُّثَ لَا يُوجِبُ النَّفْيَ حَدًّا بِالْإِجْمَاعِ، وَكَمَا نَفَى عُمَرُ ﵁ نَصْرَ بْنَ الْحَجَّاجِ مِنْهَا حِينَ سَمِعَ قَائِلَةً تَقُولُ:
هَلْ مِنْ سَبِيلٍ إلَى خَمْرٍ فَأَشْرَبُهَا ... أَوْ مِنْ سَبِيلٍ إلَى نَصْرِ بْنِ حَجَّاجِ
، وَالْجَمَالُ لَا يُوجِبُ النَّفْيَ وَلَكِنَّ فِعْلَ ذَلِكَ
لِلْمَصْلَحَةِ
فَإِنْ قَالَ مَا ذَنْبِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ لَا ذَنْبَ لَك إنَّمَا الذَّنْبُ لِي حَيْثُ لَمْ أُطَهِّرْ دَارَ الْهِجْرَةِ عَنْك، وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ كَفَى بِالنَّفْيِ فِتْنَةً وَلَوْ كَانَ النَّفْيُ حَدًّا لَمَا سَمَّاهُ فِتْنَةً، وَهَذَا أَيْ خُرُوجُ الْحَدِيثِ مِنْ كَوْنِهِ حُجَّةً بِمُخَالَفَةِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ مِنْ