ولما ذكر تبريد الأكباد بالماء، أتبعه تبريدها بالظل فقال: ﴿وظللنا﴾ أي في التيه ﴿عليهم الغمام﴾ أي لئلا يتأذوا بالشمس؛ ولما أتم تبريد الأكباد، أتبعه غذاء الأجساد فقال: ﴿وأنزلنا عليهم المن﴾ أي خبراً ﴿والسلوى﴾ أي إداماً؛ وقال السمؤال بن يحيى: وهو طائر صغير يشبه السماني، وخاصيته أن أكل لحمه يلين القلوب القاسية، يموت إذا سمع صوت الرعد كما أن الخطاف يقتله البرد، فيلهمه الله ﷿ أن يسكن جزائر البحر التي لا يكون بها مطر ولا رعد إلى انفصال أوان المطر والرعد، فيخرج من الجزائر وينتشر في الأرض.
ولما ذكر عظمته في ذلك، ذكر نتيجته فقال: ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ أي بصفة العظمة القاهرة لما نريد مما لم تعالجوه نوع معالجة، ودل على أنهم قابلوا هذا الإحسان بالطغيان والظلم والعدوان بقوله عطفاً على ما تقديره: فعدلوا عن الطبيات المأذون فيها، وأكلوا الخبائث التي حرمناها عليهم بالاصطياد يوم السبت - كما يأتي - وفعلوا غير ذلك من المحرمات، فظلملوا أنفسهم بذلك: ﴿وما ظلمونا﴾ أي بشيء مما قابلوا فيه الإحسان بالكفران ﴿ولكن كانوا﴾ أي دائماً جبلة وطبعاً ﴿أنفسهم﴾ أي خاصة ﴿يظلمون*﴾ وهو - مع كونه من أدلة ﴿سأصرف عن آياتي﴾ الآية - دليل على صحة وصف هذا الرسول بالنبي، فإن من علم هذه الدقائق من أخبارهم مع كونه أمياً ولم يخالط أحداً من أحبارهم،