أطول الناس أعماراً، وأشدهم اقتداراً؛ ولما لم يتعلق في هذا السياق غرض بالمخالفة في ترتيبهم، ساقهم على حسب ترتبيهم في الوجود فقال: ﴿وعاد﴾ أي ذوو الأبدان الشداد ﴿وثمود*﴾ أولو الأبنية الطوال، في السهول والجبال ﴿وقوم إبراهيم﴾ المتجبرون المتكبرون ﴿وقوم لوط*﴾ الأنجاس، بما لم يسبقهم إليه أحد من الناس ﴿وأصحاب مدين﴾ أرباب الأموال، المجموعة من خزائن الضلال.
ولما كان موسى ﵇ قد أتى من الآيات المرئية ثم المسموعة بما لم يأت بمثله أحد ممن تقدمه، فكان تكذيبه في غاية من البعد، غير سبحانه الأسلوب تنبيهاً على ذلك، وعلى أن الذين أطبقوا على تكذيبه القبط، وأما قومه فما كذبه منهم إلا ناس يسير، فقال: ﴿وكذب موسى﴾ وفي ذلك أيضاً تعظيم للتأسية وتفخيم للتسلية ﴿فأمليت للكافرين﴾ أي فتعقب عن تكذيبهم أني أمهلتهم بتأخير عقوبتهم إلى الوقت الذي ضربته لهم، وعبر عن طول الإملاء بأداة التراخي لزيادة التأسية فقال: ﴿ثم أخذتهم﴾ ونبه ﷾ على أنه كان في أخذهم عبر وعجائب، وأهوال وغرائب، بالاستفهام في قوله: ﴿فكيف كان نكير*﴾ أي إنكاري لأفعالهم، فليحذر هؤلاء الذين أتيتهم بأعظم ما أتى به رسول قومه مثل ذلك.