والإنْزَالُ يقتضي الانتقال من حالٍ إلى حالٍ، وذلك لا يليقُ بالقَدِيم فَدَل على أنَّهُ محدث.
والجوابُ أن الموصوف بالإنزال والتنزيل على سبيل المجاز [هو] هذه الحروف ولا نزاع في كونها محدثةً مخلوقةً.
فإن قيل: هَبْ أنَّ المرادَ منه الحروف إلَاّ أنَّه الحروفَ أعْرَاضٌ غير باقية بدليل أنّها متوالية وكونها متوالِيةً يُشْعِرُ بعدمِ بقائِهَا، وإذا كان كذلك العَرَضُ الذي لا يَبْقَى زَمَانَيْنِ كيف يعقل وصفه بالنزول؟
فالجوابُ: أنَّهُ ﷾ أحْدَثَ هذه الرُّقُومَ والنُّقُوشَ في اللَّوْحِ [المَحْفُوظِ] ، ثم أنَّ الملك يطالعُ تلك النُّقوش، وينزِّل من السَّماءِ إلى الأرض ويعلِّم محمداً - صلوات اللَّهِ وسلامه عليه - تلك الحروفَ والكلماتِ، فكان المرادُ بكَوْنِ تلك الحروفِ نازلةً هو أنَّ مبلغها نزل من السَّمَاءِ إلى الأرْضِ.
فصل في تأويل المكانية
الَّذين أثبتوا للَّه مَكَاناً تمسَّكُوا بهذه الآيةِ فقالوا: إنَّ كلمة «مِنْ» لابتداءِ الغَايَةِ، وكلمة «إلَى» لانتهاء الغاية، فقوله: «أنْزِلَ إليْكَ» يقتضي حصول مسافةٍ مبدؤهَا هو اللَّهُ ﵎ وغياتها هو مُحَمَّد - عليه أفضل الصلاة والسلام -، وذلك يَدُلُّ على أنَّهُ ﵎ مختص بجهة فوق؛ لأن النُّزُولَ هو الانتقالُ من فوق إلى أسفل.
والجوابُ: لمَّا ثبت بالدَّلائل القاطِعَةِ أن المكان والجهة على اللَّهِ ﷾ محال وجب حملُهُ على التَّأويلِ وهو أنَّ الملك انتقل من العلو إلى أسفل.