لمَّا توعد من لا ينفر مع الرسول، أتبعه الأمر الجزم، فقال: ﴿انفروا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ نصبهما على الحال من فاعل «انفرُوا» . قال الحسنُ، والضحاكُ، ومجاهد، وقتادة وعكرمة: «شُباناً وشُيوخاً» . وعن ابن عباسٍ: نشاطاً وغير نشاط. وقال عطيةُ العوفي: ركباناً ومشاةً. وقال أبو صالحٍ: «خفافاً من المال، أي: فقراء» ثقالاً «أي: أغنياء» . وقال ابن زيد «الثقيل: الذي له الضيعة، والخفيف: الذي لا ضيعة له» .
وقيل: «خفافاً» من السلاح أي: مقلين منه، و «ثِقالاً» مستكثرين منه. وقال مرة الهمداني: صحاحاً ومراضاً.
وقال يمان بن رباب «عزاباً ومتأهلين» ، وقيل غير ذلك. والصحيح أنَّ الكلَّ داخل فيه؛ لأنَّ الوصف المذكور وصف كلّي؛ فيدخل فيه كل هذه الجزئيات، فقد روى ابن أم مكتوم أنه قال لرسول الله ﷺ َ: أعَلَيَّ أنَّ أنفر؟ قال: «ما أنت إلَاّ خفيفٌ أو ثقيلٌ» فرجع إلى أهله ولبس سلاحه، ووقف بين يديه؛ فنزل قوله: ﴿لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١ والفتح: ١٧] .
وقال مجاهدٌ: «إنَّ أبا أيُّوب شهد بدراً مع الرسول، ولم يتخلف عن الغزوات مع المسلمين، ويقول قال الله تعالى: ﴿انفروا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ فلا أجدني إلَاّ خفيفاً أو ثقيلاً» . وعن صفوان بن عمرو قال: كنت والياً على حمص، فلقيت شيخاً قد سقط حاجباه، من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو، فقلت: يا عم أنت معذور عند الله، فرفع حاجبيه وقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافاً وثقالاً، إلا أنَّ من أحبَّه ابتلاه. وعن الزهري: خرج سعيدُ بنُ المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له: إنَّك عليل صاحب ضرر، فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل، فإن عجزت عن الجهاد كثرت السواد وحفظت المتاع. وقيل للمقداد بن الأسود وهو يريد الغزو أنت معذور، فقال: أنْزلَ اللهُ علينا في سورة براءة: ﴿انفروا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ [التوبة: ٤١] والقائلون بهذا القول يقولون: إنَّ هذه الآية نسخت بقوله: ﴿لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] وبقوله: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضعفآء وَلَا على المرضى وَلَا عَلَى الذين لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: ٩١]