«إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ» فقال للمرسلين: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (¬١)، وهذا نداء من الله ﷿ لجميع المرسلين أنه أباح لهم الأكل من كل ما يستطاب، وأن يعملوا الصالحات من الأقوال والأفعال، مبينا أنه عليم بما يقولون ويفعلون، ولا يخفى عليه شيء، فيجازي كلا بما عمل. وخاطب المؤمنين فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (¬٢)، والمؤمنون، هم أتباع الرسل ﵈، وقد أمر الله ﷿ الرسل بأن يأكلوا من الطيبات، ويعملوا الصالحات، قال تعالى: ﴿الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (¬٣)، فأمر الله ﷿ المؤمنين أتباع الرسل بذلك لما في التقيد بالأكل من الطيبات، وإتْباع ذلك بالأعمال الصالحة من أثرٍ طيبٍ في قبول الأعمال في الدنيا، والثواب عليها في الآخرة، لذلك قال رسول الله ﷺ: «يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين» (¬٤)، ومن أعظم النعم قبول الأعمال، ولذلك أُمر المؤمنون بشكر الله ﷿ تحقيقا لصدقهم في عبادته تعالى وحده لا شريك له.
قوله: «الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ … » قال القزويني ﵀: أراد بـ " الرجل ": الحاج الذي أثر به السفر، وأخذ منه الجهد والبلاء، وأصابه الشعث، وعلاه الغبرة، فطفق يدعو الله على هذه الحالة، وعنده أنها من مظان الإجابة؛ فلا يستجاب له، ولا يعبأ ببؤسه وشقائه؛ لأنه متلبس بالحرام، صارفٌ النفقة من غير حلها (¬٥).
قلت: وهو عام في كل من يكسب الحرام، سواء حج أم لم يحج، وإنما مثل بالحاج آكل الحرام؛ لأن الحج إقبال على الله ﷿، فإذا كانت نفقته من ماله المكتسب من الحرام، فكيف يستجاب له، ولا ريب أن من باب أولى غير الحاج.