والذي ينفعه يأخذ به، والذي يضره لا يأخذ به من باب أولى، فكان الزهد أعلى حالاً من الورع، فكل زاهد ورع، وليس كل ورع زاهداً.
ولكن حذر النبي ﵊ من أن تفتح الدنيا علينا كما فتحت على من كان قبلنا فنهلك كما هلكوا.
لما قدم أبو عبيدة بمال من البحرين، وسمع الأنصار بذلك، جاءووا إلى النبي ﷺ فوافوه في صلاة الفجر، فلما انصرف من الصلاة تعرضوا له فتبسم ﵊، يعني ضحك، لكن بدون صوت، تبسم لأنهم جاءوا متشوفين للمال.
فقال لهم: " لعلكم سمعتم بقدوم أبي عبيدة من البحرين؟ " قالوا: أجل يا رسول الله. سمعنا بذلك يعني وجئنا لننال نصيبنا.
فقال ﵊: "ما الفقر أخشى عليكم" الفقر لا أخشاه.
والفقر قد يكون خيراً للإنسان، كما جاء في الحديث القدسي الذي يروى عن النبي ﷺ أن الله قال: " إن من عبادي من لو أغنيته لأفسده الغنى"، يعني: أطغاه وأضله وصده عن الآخرة والعياذ بالله ففسد، " وإن من عبادي من لو أفقرته لأفسده الفقر".
فقال النبي ﵊: "ما الفقر أخشى عليكم" يعني: لا أخشى عليكم من الفقر؛ لأن الفقير في الغالب أقرب إلى الحق من الغني.
وانظروا إلى الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ من الذي يكذبهم؟ يكذبهم الملأ الأشرار الأغنياء، وأكثر من يتبعهم الفقراء، حتى النبي ﵊ أكثر من يتبعه الفقراء.