جُعِلَتِ الْمَاهِيَّةُ اسْمًا لِمَا فِي الذِّهْنِ، وَالْوُجُودُ اسْمًا لِمَا فِي الْخَارِجِ (١ فَالْفَرْقُ ثَابِتٌ، كَمَا لَوْ جُعِلَ الْوُجُودُ اسْمًا لِمَا فِي الذِّهْنِ وَالْمَاهِيَّةُ اسْمًا لِمَا فِي الْخَارِجِ ١) (١) .
لَكِنْ لَمَّا كَانَ (٢) لَفْظُ الْمَاهِيَّةِ مَأْخُوذًا مِنْ قَوْلِ السَّائِلِ: " مَا هُوَ؟ "، وَجَوَابُ هَذَا هُوَ الْمَقُولُ فِي جَوَابِ: " مَا هُوَ " (٣) ، وَذَلِكَ كَلَامٌ يَتَصَوَّرُ مَعْنَاهُ الْمُجِيبُ، عُبِّرَ بِالْمَاهِيَّةِ (٤) عَنِ الصُّوَرِ الذِّهْنِيَّةِ، وَأَمَّا الْوُجُودُ فَهُوَ تَحَقُّقُ (٥) الشَّيْءِ فِي الْخَارِجِ.
لَكِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى هَذَا، بَلْ زَعَمُوا أَنَّ مَاهِيَّاتِ (٦) الْأَشْيَاءِ ثَابِتَةٌ فِي الْخَارِجِ وَأَنَّهَا غَيْرُ الْأَعْيَانِ الْمَوْجُودَةِ وَهَذَا غَلَطٌ بِالضَّرُورَةِ، فَإِنَّ الْمُثَلَّثَ الَّذِي تَعْرِفُهُ قَبْلَ أَنْ تَعْرِفَ وُجُودَهُ فِي الْخَارِجِ، هُوَ الْمُثَلَّثُ الْمُتَصَوَّرُ (٧) فِي الذِّهْنِ الَّذِي لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ، وَإِلَّا فَمِنَ الْمُمْتَنَعِ أَنْ تَعْلَمَ حَقِيقَةَ الْمُثَلَّثِ الْمَوْجُودِ فِي الْخَارِجِ قَبْلَ أَنْ تَعْلَمَ وُجُودَهُ [فِي الْخَارِجِ، فَمَا فِي الْخَارِجِ لَا تَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ حَتَّى تَعْلَمَ وَجُودَهُ] (٨) ، وَمَا عُلِمَتْ (٩) حَقِيقَتُهُ قَبْلَ وُجُودِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقِيقَةٌ بَعْدُ إِلَّا فِي الذِّهْنِ.