الْعَبْدُ (١) مَا يَعْجَزُ عَنْهُ، وَلَكِنْ يُكَلَّفُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ (٢) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقُدْرَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا مَعَ الْفِعْلِ (٣) .
وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ تَرَكَ وَاجِبًا لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَيْهِ. و [لَيْسَ] هَذَا (٤) قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ، بَلْ جُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ (٥) يُثْبِتُونَ لِلْعَبْدِ قُدْرَةً هِيَ مَنَاطُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَهَذِهِ قَدْ تَكُونُ قَبْلَهُ لَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَعَهُ، وَيَقُولُونَ أَيْضًا: إِنَّ الْقُدْرَةَ الَّتِي يَكُونُ بِهَا الْفِعْلُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَعَ الْفِعْلِ، لَا يُجَوِّزُونَ (٦) أَنْ يُوجَدَ الْفِعْلُ بِقُدْرَةٍ مَعْدُومَةٍ [وَلَا بِإِرَادَةٍ مَعْدُومَةٍ] (٧) ، كَمَا لَا يُوجَدُ بِفَاعِلٍ مَعْدُومٍ.
وَأَمَّا الْقَدَرِيَّةُ فَيَزْعُمُونَ أَنَّ الْقُدْرَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا قَبْلَ الْفِعْلِ، وَمَنْ قَابَلَهُمْ مِنَ الْمُثْبِتَةِ يَقُولُونَ: لَا تَكُونُ إِلَّا مَعَ الْفِعْلِ.
وَقَوْلُ [الْأَئِمَّةِ] وَالْجُمْهُورِ (٨) هُوَ الْوَسَطُ: أَنَّهَا لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَعَهُ، وَقَدْ تَكُونُ مَعَ ذَلِكَ قَبْلَهُ (٩) [كَقُدْرَةِ الْمَأْمُورِ الْعَاصِي] (١٠) ، فَإِنَّ تِلْكَ الْقُدْرَةَ تَكُونُ مُتَقَدِّمَةً (١١) عَلَى الْفِعْلِ بِحَيْثُ تَكُونُ لِمَنْ لَمْ يُطِعْ (١٢) ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: