وهذا كله حكم المنفرد فأما المعيل فلا يخرج عن حد التوكل بادخار قوت سنة لعياله جبراً لضعفهم وتسكيناً لقلوبهم وادخار أكثر من ذلك مبطل للتوكل لأن الأسباب تتكرر عند تكرر السنين فادخاره ما يزيد عليه سببه ضعف قلبه وذلك يناقض قوة التوكل فالمتوكل عبارة عن موحد قوي القلب مطمئن النفس إلى فضل الله تعالى واثق بتدبيره دون وجود الأسباب الظاهرة وقد ادخر رسول الله ﷺ لعياله قوت سنة (١) ونهى أم أيمن وغيرها أن تدخر له شيئاً لغد (٢) ونهى بلالاً عن الادخار في كسرة خبز ادخرها ليفطر عليها فقال ﷺ أنفق بلالاً ولا تخش من ذي العرش إقلالاً (٣) وقال ﷺ إذا سئلت فلا تمنع وإذا أعطيت فلا تخبأ (٤) إقتداء بسيد المتوكلين ﷺ وقد كان قصر أمله بحيث كان إذا بال تيمم مع قرب الماء ويقول ما يدريني لعلي لا أبلغه (٥) وكان ﷺ لو أخر لم ينقص ذلك من توكله إذ كان لا يثق بما ادخره ولكنه ﵇ ترك ذلك تعليماً للأقوياء من أمته فإن أقوياء أمته ضعفاء بالإضافة إلى قوته وادخر ﵇ لعياله سنة لا لضعف قلب فيه وفي عياله ولكن ليسن ذلك للضعفاء من أمته بل أخبر إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه (٦) تطييباً لقلوب الضعفاء حتى لا ينتهي بهم الضعف إلى اليأس والقنوط فيتركون الميسور من الخير عليهم بعجزهم عن منتهى الدرجات فما أرسل رسول الله ﷺ إلا رحمة للعالمين كلهم عليه اختلاف أصنافهم ودرجاتهم وإذا فهمت هذا علمت أن الادخار قد يضر بعض الناس وقد لا يضر ويدل على ما روى أبو أمامة الباهلي أن بعض أصحاب الصفة توفي فما وجد له كفن فقال ﷺ فتشوا ثوبه فوجدوا فيه دينارين في داخل إزاره فقال ﷺ كيتان (٧) وقد كان غيره من المسلمين يموت ويخلف أموالاً ولا يقول ذلك في حقه وهذا يحتمل وجهين لأن حاله يحتمل حالين أحدهما أنه أراد كيتين من النار كما قال تعالى تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم وذلك إذا كان حاله إظهار الزهد والفقر والتوكل مع الإفلاس عنه فهو نوع تلبيس والثاني أن لا يكون ذلك عن تلبيس فيكون المعنى به النقصان عن درجة كماله كما ينقص من جمال الوجه أثر كيتين في الوجه وذلك لا يكون عن تلبيس فإن كل ما يخلفه الرجل فهو نقصان عن درجته في الآخرة إذ لا يؤتى أحد من الدنيا شيئاً إلا نقص بقدره من الآخرة وأما بيان أن الادخار مع فراغ القلب عن المدخر ليس من ضرورته بطلان التوكل فيشهد له ما روي عن بشر قال الحسين المغازلي من أصحابه كنت عنده ضحوة من النهار فدخل عليه رجل كهل أسمر خفيف العارضين فقام إليه بشر قال وما رأيته قام لأحد غيره قال ودفع إلي كفاً من دراهم وقال اشتر لنا من أطيب ما تقدر عليه من الطعام الطيب وما قال لي قط
Kitab: Ihya' 'Ulumid Din · Pengarang: أبو حامد الغزالي
Baca Juz 4, halaman 278
Rujukan halaman ini: إحياء علوم الدين، ج 4، ص 278 (SanadKitab #9472, hlm. urut 1437)
Cocokkan kembali dengan kitab cetak sebelum mengutip. Keberatan hak cipta? Hubungi kami dan kitab akan segera kami turunkan.