والذي يَعْنيني في هذا المبحث ما حصل بين علي ﵁ ومعاوية ﵁، ثم ما حصل بعد ذلك بين الحسن بن علي ﵁ وبين معاوية ﵁ كامتداد للخلاف السابق، مِمَا له صلة ببحث تعدد الخلفاء، ولَمَّا كان هذا الخلاف قد حصل في فترة الخلفاء الراشدين - الذين أمر رسول الله ﷺ بالاقتداء بهم بقوله: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين» (١) - فإن له أهمية فقهية وليس مجرد حدث تاريخي، فَفِعْلُ الخلفاء الراشدين صارت له صفة شرعية بسبب هذا الحديث، وهذا كان فهم الشافعي (٢) عندما قال: «أُخِذَتْ السيرة في قتال المشركين من النبي ﷺ وفي قتال المرتدين من أبي بكر ﵁ وفي قتال البغاة من علي ﵁» (٣).
ولَمَّا كان ما حدث من فتنة بين سيدنا علي ﵁ ومعاوية ﵁، له جذور وامتداد إلى ما حصل في خلافة سيدنا عثمان ﵁ حتى قال بعض العلماء: لا شك أنَّ الدماء المهراقة عقب قتل عثمان ﵁ والملاحم بين علي ﵁ ومعاوية ﵁ كانت عقوبة من الله على قتل عثمان ﵁ (٤)، فقد انفتح باب الشر من يومئذ؛ لذا كان لا بد من تناول هذه الفترة أيضاً بالبحث، بالقدر الذي يساعدنا على فهم الأحداث التي حصلت بعد ذلك، والتي جاءت على الشكل التالي:
أولاً: ما قبل خلافة سيدنا علي ﵁ -:
إن تقارب المكانة بين علي ﵁ وبين عثمان ﵁، ثم الطريقة التي وضعها سيدنا عمر ﵁ لاختيار خليفة من بين أهل الشورى الستة، حرك تنافساً بين سيدنا عثمان ﵁ وبين سيدنا علي ﵁، الأمر الذي انعكست آثاره على طبيعة العلاقة بينهما، وعلى الخلاف بين معاوية ﵁ وبين علي ﵁ فيما بعد، وبيانه: