فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر: آية ٢٨] فبدأ بالنعت بقوله: ﴿مُّؤْمِنٌ﴾ لأنه مفرد، ثم أتبعه بشبه الجملة، وهي: ﴿مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ ثم أتبعه بالجملة ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ هذا هو الأصل المُقَرَّر في المعاني، ورُبَّما قُدِّم النعت بغير الجملة، وربما قُدم النعت بغير المفرد على النعت بالمفرد، فمثال تقديمه بشبه الجملة: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾ فالجار والمجرور نعت قُدِّم على النعت المفرد في قوله: ﴿عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: آية ٣١] ومثال تقديم الجملة على المفرد قوله هنا: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ فجملة ﴿أَنزَلْنَاهُ﴾ نعت قُدِّم على النعت بالمفرد، ونظيره من كلام العرب قول طرفة بن العبد (¬١):
وَفِي الحَيِّ أَحْوَى يَنْفُضُ المَرْدَ شَادِنٌ ... مُظَاهِرُ سِمْطَيْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدِ
فإن قوله: (شادن ومظاهر) مفردان، قدّم قبلهما النعت بالجملة في قوله: (ينفض المرد) وهذا معروف (¬٢).
وقوله: ﴿مُبَارَكٌ﴾ معناه: أن هذا الكتاب مبارك، أي: كثير البركات، والخيرات، فمن تَعَلَّمَهُ وعمل به غمرته الخيرات في الدنيا والآخرة؛ لأن مَا سَمَّاهُ الله مباركاً فهو كثير البركات والخيرات قطعاً، وكان بعض علماء التفسير يقول: اشتغلنا بالقرآن فغمرتنا البركات والخيرات في الدنيا؛ تصديقًا لقوله: ﴿كِتَابٌ أَنزَلنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ ونرجو أن يكون لنا مثل ذلك في الدنيا، وهذا الكتاب المبارك لا ييسر الله للعمل به إلا الناس الطيبين المباركين، فإنه كثير البركات والخيرات؛