مُهْلِكُهُمْ﴾ الميم في قوله: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ هي ما الاستفهامية. والمقرر في علم العربية أنّ ما الاستفهامية إذا جُرَّت حُذف ألفها كما هو معروف، والمعنى: لأي موجب تعظون؟ (تعظون) مصدر وعظه يعظه إذا كلّمه كلامًا يلين له قلبه لينتهي عما لا يرضي الله. ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ لأي موجب وأي حكمة تعظون قومًا متمرِّدين مُتَمَادِين على العصيان وعدم الانكفاف ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ إهلاك استئصال ﴿أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ لجراءتهم عليه وانتهاكهم حرماته.
وهذه الطائفة قال بعض العلماء: هي أشد الذين نَهوا، وإنما قالت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ لأنها جرّبت وعظهم وعلمت أنهم لا فائدة فيهم ولا ينزعون ولا يُقْلعون. وقال بعض العلماء: هذه الطائفة الثالثة التي لم تباشر الاعتداء في السبت ولم تنهَ الذين اعتدوا في السبت. وقد ذكرنا أنّ العلماء اختفلوا فيها، وأنّ أظهر القولين: أنها نجت كما أقنع به عكرمة ابن عباس ﵁، وكما يدل عليه ترتيبه بالفاء في قوله: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً﴾ [البقرة آية ٦٥] في سورة البقرة على خصوص الاعتداء في السبت خاصة في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً﴾ فرتب قوله: ﴿كُونُواْ قِرَدَةً﴾ على خصوص الاعتداء في السبت. وهذا معنى قوله: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ إهلاكًا مستئصلاً ﴿أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ نعتذر بموعظتنا إياهم معذرة إلى ربكم. أو وَعظناهم لأجل المعذرة عند ربكم ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ولرجائنا أيضًا أن تؤثر فيهم الموعظة فيتقوا الله ويكفوا عن ما هم مصرون عليه من ارتكاب هذا الذنب العظيم الذي هو صيد السمك يوم السبت.