العرب، ومنه قول عمرو بن الفضفاض الجهني (¬١):
لَا تَجْهَمينَا أُمَّ عَمْرٍو فَإِنَّمَا ... بِنَا دَاءُ ظَبْيٍ لمْ تخُنْهُ عوامِلُه
ومن هذا المعنى قول مسلم بن الوليد الأنصاري، وإن كان شعره يصلح مثالاً لا شاهدًا لتأخر وقته (¬٢):
شَكَوْتُ إِلَيْهَا حُبَّهَا فَتَبَسَّمَتْ ... ولَمْ أَرَ شَمْسًا قَبلَهَا تَتَبَسَّمُ ...
فَقُلْتُ لهَا جُودِي فأَبْدتْ تَجَهُّمًا ... لِتَقْتُلَنِي يَا حُسْنها إذ تَجَهَّمُ
وهذا معنى قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾ أي: خلقنا ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ أي: لصيرورتهم إلى النار يوم القيامة ﴿كَثِيرًا﴾ خلقًا كثيرًا ﴿مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ لأن الجن يدخلون النار بلا خلاف إذا عصوا الله كما قالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾ [الأحقاف: آية ٣١] ولا خلاف بين العلماء أن النبي ﷺ مرسل للإنس والجن، وأن كفار الجن يدخلون النَّار، وإنما اختلفوا في المؤمنين من الجن هل يدخلون الجنة أو لا يدخلونها (¬٣)؟ فشَذَّ قوم وقالوا: إن المؤمنين من الجِنِّ لا يدخلون الجنة وإنما جزاؤهم الإجارة من النار، واستدلوا لهذا بدليل لا ينهض، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قالوا: دلت الآية على أن إجابتهم داعي الله والإيمان به إنما ينالون منها غفران الذنوب والإجارة من العذاب دون دخول الجنة. والظاهر أن المؤمنين من