فـ (ثمَّ) للاستبعاد، ومن شواهد إتيان (ثم) للاستبعاد قول الشاعر (¬١):
وَلَا يَكْشِفُ الغَمَّاءَ إِلَاّ ابْنُ حُرَّةٍ ... يَرَى غَمَرَاتِ المَوْتِ ثمَّ يَزُورُهَا
لأن زيارة غمرات الموت بعد معاينتها من الأمور المستبعدة.
﴿ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ نقض العهد هو عدم الوفاء به ونكثه ﴿عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ كما نقضوا في المرة الأولى حيث أعانوا كفار مكة بالسلاح، ونقضوا في المرة الثانية حيث صاروا مع الأحزاب على النبي وأصحابه ﷺ ورضي عنهم. وهذا معنى قوله: ﴿ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ لا يتقون الله (جل وعلا) فيجترئون على نقض العهود وعلى كل جريمة، ليس لهم تقوى من الله تحملهم على امتثال أمره واجتناب نهيه، وهذه -والعياذ بالله- أمور قبيحة؛ حيث كانوا شر الدواب، وكانوا كافرين، ولا يؤمنون، وينقضون العهود، ولا يتقون الله، فهذا منتهى الذم -والعياذ بالله- هذا معنى قوله: ﴿وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٥٦].
وقوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾ [الأنفال: الآية ٥٧] ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ هذه (إن) هي الشرطية زيدت بعدها (ما) المزيدة لتوكيد الشرط. والأصل: فإن تثقفهم فشرد بهم. والفاء في قوله: ﴿فَشَرِّدْ﴾ لأن الجملة الطلبية جزاء الشرط، والمقرر في علم العربية أن جزاء الشرط إن كان لا يصلح أن يكون فعلاً للشرط وجب اقترانه بالفاء (¬٢)، يعني: إن تثقفهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم، والعرب تقول: