له، وأنه لا زال يعيش على ذكراها، فإن الغيرة تشتد، وهذا ما وقع للسيدة عائشة ﵂ بالنسبة إلى السيدة خديجة، حيث قالت " ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة ﵂، وما رأيتها " أي مع كوني لم أرها ولم ألتق بها في عصمة النبي ﷺ " ولكن كان النبي ﷺ يكثر من ذكرها " أي ولكن السبب في شدة غيرتي منها أن النبي ﷺ كان يكثر الحديث عنها " وربما ذبح الشاة، ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة " أي وكان يكرم صديقاتها، ويهدي إليهن الهدايا من أجلها، فكثيراً ما كان يذبح الشاة ويقسمها أقساماً، فيهدي إلى كل واحدة من صديقاتها قسماً منها، وفاءً لخديجة، وذلك من شدة محبته لها، ومحافطه على ودها، والعيش على ذكراها. " فربما قلت له: كأن لم يكن في الدنيا إلاّ خديجة " أي فكثيراً ما كنت أخاصمه إذا ذكرها، وتحدث عنها فأقول له: كأن خديجة أنستك النساء جميعاً، فأصبحت لا ترى غيرها في هذه الدنيا " فيقول: إنها كانت وكانت " أي فيعدد فضائلها ومحاسنها، ويقول: إنها كانت صوامة قوامة محسنة إلى غير ذلك كما سيأتي. " وكان لي منها ولد " بفتح الواو وسكون اللام أي وبالإضافة إلى هذه المزايا كلها فقد رزقني الله منها أكثر ذريتي ذكوراً وإناثاً.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: فضل السيدة خديجة ﵂ الذي يتجلى في شدة محبته ﷺ لها، وتعلقه بها، وعيشِهِ على ذكراها (١)، وإكرام صديقاتها، كما قالت عائشة ﵂ وما رأيتها، ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكراها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاءً ثم يبعثها في صدائق خديجة، وكان ﷺ إذا استأذنت عليه أختها هالة، وسمع صوتها اهتز فرحاً وسروراً وانتعشت نفسه، وأسرع للقائها، لأن صوتها يشبه صوت خديجة