اختصاصُهم بالجنة، وما يصلح منشأً للتمني المذكور إنما هو الثاني دون الأول على ما نبَّهت عليه آنفًا.
﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ لأن مَن أيقن أنه من أهل الجنة اشتاقَها وأحبَّ التخلُّص إليها من الدار ذات النوائب (¬١)، ولا يذهبْ عليك أن هذا الايقانَ على تقدير أنْ يكون معنى الخلوصِ ما ذكرناه، لا ما ذكره القوم.
* * *
(٩٥) - ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ بما أسلفوا من الكبائر الموجِبة لدخول النار، وإنما أُسند التقديم إلى اليد لأنها أعظمُ الأعضاء في التصرُّف.
وعن النبيِّ ﵇: "لو تمنَّوا الموتَ لغَصَّ كلُّ إنسانٍ برِيقِه فمات مكانَه، وما بقيَ على وجهِ الأرضِ يهوديٌّ" (¬٢).
والمراد بالتمنِّي قول القائل: ليتني متُّ، لا معناه في القلب، دل عليه قوله ﵇: "غص بريقه"، وأن التحدِّيَ لا يمكن بالأعمال القلبية لخفائها، ولو كان المراد المعنى القلبيَّ لكان يمكنهم (¬٣) أن يقولوا: (تمنَّينا) كاذبين، ولو ادَّعوا مع ذلك لنُقل إلينا؛ لتَوفُّر دواعيهم على النقل مع كثرتهم، ولو نُقل لاشتَهر.